تصفّح

من مبادرات

«الاستشارات القرآنية» مبادرة من مركز تفسير للدراسات القرآنية، تُعنى باستقبال الأسئلة والاستشارات المتعلقة بالقرآن الكريم وعلومه، والإجابة عنها من قِبل نخبة من المتخصصين في الدراسات القرآنية.

ما الفرق الدلالي بين كلمتي (تستطع) و(تسطع) الواردتان في قصة موسى عليه السلام وال…

السؤال

ما الفرق الدلالي بين كلمتي (تستطع) و(تسطع) الواردتان في قصة موسى عليه السلام والخضر في أواخر سورة الكهف؟

الجواب

قال الله تعالى: (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) وفي آخر القصة: (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً).
‏وقال في السورة نفسها: (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا).

‏(تستطيع) مضارع (استطاع) و(تسطع) مضارع (اسطاع) حذفت التاء منه تخفيفًا.
‏فيرى بعض المفسرين أن معناهما واحد، وأن الفائدة من هذا التغاير لفظية، بأن هذا مقتضى الفصاحة، لا تكرار الكلمة بلفظها.
‏فالمغايرة بينهما للتفنن تجنبًا لإعادة لفظ بعينه مع وجود مرادفه.

‏والتعليل بالتفنن وصف للانتقالات بين الفنون والأساليب والموضوعات والأغراض المختلفة في القرآن الكريم، ووصف لغير ذلك من الظواهر اللغوية والبلاغية، ولا ضير في إرادة القرآن الكريم له، بل هو من وجوه بلاغة القرآن الكريم.

‏والراجح أن لا يعلل به وحدة علة مستقلة، ولكنه علة لفظية، لا تعارض المعنوية، فيطلب التوجيه المعنوي قدر المستطاع.

‏والتعليل المعنوي لهذا التغاير هو أن زيادة المبنى (الحروف) في تستطيع تفيد قوة المعنى، فنفي الاستطاعة بـ "لم تستطع" و"ما استطاعوا" أقوى من نفيها بـ"لم تسطع"، و"فما اسطاعوا"، فقد ذكر أهل التفسير أن الخضر عليه السلام لما كان في بداية الأمر، ووعد موسى أن يفسر له تلك الأمور التي رآها ولم يستطع الصبر والسكوت عليها، بعد ما أمره أن لا يسأله عن شيء حتى يكون الخضر هو المخبر والمفسر لما يرى موسى، جاءت الصيغة بتستطع في قوله تعالى: (سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا) فكان الإشكال وانتظار حله ثقيلا فناسب التعبير عنه بتستطع، ولما فسر له ما أشكل عليه ووضحه كان التعبير بتسطع أخف ليقابل الأخف بالأخف والأثقل بالأثقل، كما يقول علماء اللغة: الزيادة في المبنى زيادة في المعنى.

‏وكذلك في قوله تعالى: (فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ) وهو الصعود إلى أعلاه، (وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) وهو أشق من ذلك، فقابل كلاً من المعنيين بما يناسبه لفظا.

‏قال الطاهر بن عاشور رحمه الله في "التحرير والتنوير" (8/419):
‏"(تَسْطِعْ) مضارع (اسطاع) بمعنى (استطاع). حذف تاء الاستفعال تخفيفاً لقربها من مخرج الطاء، والمخالفةُ بينه وبين قوله: (سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً)، للتفنن تجنباً لإعادة لفظ بعينه مع وجود مرادفه. وابتدئ بأشهرهما استعمالاً، وجيء بالثانية بالفعل المخفف لأنّ التخفيف أولى به، لأنه إذا كرر (تَسْتَطِع) يحصل من تكريره ثقل" انتهى.

‏وقال أيضا (8/433):
‏"(اسْطَاعُوَا) تخفيف (اسَتَطَاعُوا)، والجمع بينهما تفنن في فصاحة الكلام كراهية إعادة الكلمة. وابتدئ بالأخف منهما لأنه وليه الهمز وهو حرف ثقيل لكونه من الحلق ، بخلاف الثاني إذ وليه اللام وهو خفيف.
‏ومقتضى الظاهر أن يُبتدأ بفعل (اسَتَطَاعُوا) ويثني بفعل (اسْطَاعُوَا) لأنه يثقل بالتكرير، كما وقع في قوله آنفاً: (سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً) ثم قوله: (ذلك تأويل ما لم تَسْطِع عليه صبراً).
‏ومن خصائص مخالفة مقتضى الظاهر هنا: إيثار فعل ذي زيادة في المبنى، بموقع فيه زيادة المعنى لأن استطاعة نقب السد أقوى من استطاعة تسلقه، فهذا من مواضع دلالة زيادة المبنى على زيادة في المعنى" انتهى.

‏ومن اللطائف: أن القاسمي رحمه الله في تفسيره، بعد أن ذكر بعض ما قيل في ذلك، ختم البحث بقوله: "وما ألطف قول الشهاب في مثله: هذه زهرة لا تحتمل هذا الفرك!".

تابع القراءة

اسأل المستشار الآلي

أهلًا بك. اكتب سؤالك، وأنقل لك جوابَ من أجاب عن مثله من المستشارين بنصّه.