«قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُب…
السؤال
«قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ...»
«قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ...»
هل أكبر إخوة يوسف هو الذي عارض قتله؟
الجواب
الأصل أنَّ ما أبهمه الله فلا فائدة في بيانه، وليس هو من متين العلم، ولو كان في تحديد أسمائهم أو أعيانهم مصلحة دينية أو ثمرة عملية لبيّنه الله تعالى أو رسوله ﷺ وأكثره من التكلف.
ومن مفاسد الاشتغال بتعيين المبهمات التي لا نفع فيها:
-الابتعاد عن مواطن العبرة والوعظ والأحكام التشريعية المستفادة من القصة.
-ومصدرها في الأغلب روايات أهل الكتاب المنقولة في كتب التفسير، و يدخلها الكذب والتحريف والاختلاف.
-والخوض في تحديد عين المبهم دون مستند شرعي قطعي رجم بالغيب، وقد نهى الله عن ذلك صراحة كما في قصة أصحاب الكهف: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ}.
وقد يكون من القول على الله بغير علم.
-وتضييع العمر المحدود في بحث عقيم لا ينبني عليه عمل صالح، ولا علم نافع، ولا يترتب عليه امتثال لأمر أو اجتناب لنهي. والأولى بالمسلم أن ينشغل بما يحتاج اليه وينفعه، لأن العلم النافع كثير والعمر قصير فلا ينبغي إضاعته لأن المرء مسؤول عن عمره فيما أفناه.
والله تعالى بين لنا كل مانحتاج إليه ، قال تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم) (وما كان ربك نسيا)
قال ابن تيمية في الجواب الصحيح:
«والرسلُ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِم بيَّنوا جميعَ ما يحتاجُ إليهِ العبادُ في دينهم وأصلِحوا بهِ دُنياهُم، فما كانَ العبادُ محتاجينَ إليهِ بيَّنوهُ أتمَّ بيانٍ، وما لم يكنْ لهم بهِ حاجةٌ لم يشغلوهُم بهِ».
وقال في مجموع الفتاوي:
«القرآنُ فيهِ بيانُ كلِّ شيءٍ يحتاجُ الناسُ إليهِ في دينِهم، فما لم يبيِّنْهُ اللهُ ورسولُهُ فلعدمِ حاجتِهِم إليهِ، لا لنقصٍ في البيانِ».
وقال:
«كلُّ ما طوى اللهُ ورسولُهُ ذكرَهُ ممَّا لم يتَعبَّدْنَا اللهُ بعلمِهِ، فالبحثُ عنهُ والاشتغالُ بهِ من الفضولِ الذي يُذمُّ فاعلهُ، إذْ لو كانَ في معرفتِهِ مصلحةٌ للعبادِ لم يهْملْهُ الشارعُ؛ فإنَّ البيانَ يقعُ بقدرِ الحاجةِ».
ولو كان ما أبهمه في كتابه مما يحتاج إليه المسلمون لبين لنا نصا.
فعدم البحث عن مثل ذلك أولى.
وقد صح عن جابر أن النبي ﷺ قال: "اللهم إني أسألك علماً نافعاً".
وأخرجه ابن ماجه بلفظ: "سلوا الله علمًا نافعًا، وتعوذوا بالله من علم لا ينفع".
وحسنه الألباني.
وصح عن أبي هريرة أنه ﷺ كان يدعو:
اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ماينفعني، وزدني علما".
ومن صور العلم الذي لا ينفع تكلف الإنسان تعلم ما لا يعنيه في دينه ولا في دنياه.
وفي هذا النوع حقيقتان عظيمتان:
١-أنه بقدر الانشغال به ينصرف الإنسان عما يعنيه ويهمه فيجهله.
٢-أن الشريعة لا تبينه والبيان يكون بقدر الحاجة ، ومن تتبع نصوص الوحيين بان له أن البيان بقدر الحاجة، واعتبر ذلك بالتوحيد الذي لم يوجد بيان فيهما كبيانه؛ ثم انظر إلى ما لا يحتاج المسلمون إليه كمسألتكم هذه لا تجدها منصوصة.
وروي أنه ﷺ سئل: ما بال الهلال يبدو رَقيقًا كالخيط، ثمَّ لا يزال ينمو حتى يصير بدرًا، ثم ينقص إلى أن يصير كما كان؟ فأنزل الله تعالى ما هو أولى بالجواب مما يحتاجونه ﴿يسألونك عن الأهلة...﴾ الآية، فأعرض عن إجابة السؤال، وأجاب بما يفيد السائل في دينه؛ لأنه سؤال ليس وراءه فائدة.
وذكر بعضهم أن في الآية إشارة إلى أن المشتغل بهذه المسائل كالذي يأتي البيوت من ظهورها.
وأما جواب هذا السؤال:
فلم ينص القرآن الكريم على اسم الأخ الذي قال: {لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ}، بل أبهمه الله تعالى في قوله: {قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ}.
وأشهر الأقوال فيه ثلاثة:
١-أنه(يَهُوذَا)
٢-أنه(رُوبِيل - رأوبين) الأخ الأكبر سناً لجميع إخوة يوسف، ومال الطبري إلى هذا القول بناءً على الآثار المأثورة عن السلف.
وقد يدل له آية أخرى صرحت بلفظ الكبير، وهي قوله تعالى: {قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ}. فقالوا إن "كبيرهم" في السن هو روبيل، ذكّرهم بتفريطهم القديم في يوسف، مما قد يدل على أنه هو صاحب الموقف الأول المعارض للقتل.
٣-أنه (شَمْعُون) وهو قول ضعيف.