أنا معلمة حلقات وأعمل الآن لقاءات تدبرية والآن أحضر لسورة يوسف عليه السلام. الآي…
السؤال
أنا معلمة حلقات وأعمل الآن لقاءات تدبرية والآن أحضر لسورة يوسف عليه السلام. الآية ٢٢ ختمت ب(وكذلك نجزي المحسنين) فعطاء الله ليوسف نتاج لإحسانه، لكن الآيات (من الآية ١ إلى الآية ٢٢) لم تذكر أو تبين إحسان يوسف سواء قولاً أو فعلاً فكيف أربط (وكذلك نجزي المحسنين) بما قبلها؟
الجواب
يحتاج جواب هذا السؤال، إلى ثلاث وقفات:
١-تدبُّر القرآن: هو تفهُّم معاني ألفاظه، والتَّفكُّر فيما تدلُّ عليه آياته بأنواع طرق الدلالة، (ظاهرها وخفيها) وانتفاعُ العقل والقلب بذلك، (بالعلوم النافعة والأعمال الصالحة والأحوال الحسنة) (كالخشوع)
وقد نشطت الدعوة إلى التدبر خلال العقود الثلاثة الماضية وصاحبها نوع توسع وأخطاء، من أعظمها خطآن متلازمان:
الأول:-أن إطلاق كلمة التدبُّر صارت تنصرف عند كثيرٍ من الناس إلى استنباطَ المعاني الخفية، واستخراجَ اللطائف الدقيقة، والمناسبات دون غيرها.
ومع ذلك فلا شكَّ أنّ استنباط اللطائف والفوائد داخلٌ إجمالًا في التدبُّر، ولكنه ليس الأولي، ولا المقدور عليه للعامة.
قال الشيخ خالد السبت عن أنواع التدبُّر: "إن من هذه الأنواع ما يصلح لعموم الناس، ومنها ما لا يُحسِنُه إلا العلماء، وبناء على ذلك فإن من الشَّطَط أن تتوجَّه الأذهانُ عند الحديث عن التدبر إلى استخراج المعاني واللطائف والنِّكات الدقيقة التي لم نُسْبَق إليها(!!) فإن ذلك لا يصلح إلا للعلماء، لكنَّ المؤمن يتدبر ليُرَقِّق قلبه، ويتعرَّف مواطنَ العِبَر، ويَعْرِض نفسَه على ما ذكره الله تعالى في القرآن الكريم من أوصاف المؤمنين، ويحذر من الاتصاف بصفات غيرهم، إلى غير ذلك مما ينتفع به، ويمكن حصوله لكلِّ من تدبر كتاب الله عز وجل".
و هذا إنما هو تصحيح لمفهوم واسع ضيَّقته بعض الممارسات الخاطئة.
الثاني:- عدم أهلية كثير من المتدبرين بالمعنى السابق، لعدم فهمهم لمعاني لآيات التي يتدبرونها.
قال الشيخ مساعد الطيار: "والأصل أن مرحلة التدبر تأتي بعد الفهم ... أي أنه يتعلق بالمعنى المعلوم".
ولا يعني ذلك المنع من جميع التدبر، فأصل التدبر واسع وعام، وعمومه في معاني القرآن الكريم، و في البشر.
يزيد ذلك بيانًا التنبيه الآتي:
٢- بين الله تعالى أن أحد غايات إنزال القرآن تدبره كما في [سورةص: 29].
وأوجب الله تعالى تدبره؛ وعاب على المنافقين والكافرين إعراضهم عن تدبره والتَّفكُّر فيه وفي معانيه في عدَّة مواضع من القرآن.
ويكفي في أهميَّته: ضرورة القلب إليه.
قال الآجرِّي رحمه الله: «فالمؤمن العاقل إذا تلا القرآن استعرض القرآن، فكان كالمرآة يرى بها ما حَسُن من فعله وما قَبُحَ فيه، فما حذَّره مولاه حَذَره، وما خوَّفه به من عقابه خافه، وما رغَّب فيه مولاه رغب فيه ورجاه…».
وقراءة القرآن بالتَّفكُّر هي أصل صلاح القلب واستقامته، قال ابن القيِّم رحمه الله: «فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر؛ …وهو الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء والإنابة والتوكل والرضا والتفويض والشكر والصبر، وسائرَ الأحوال التي بها حياة القلب وكماله، وكذلك يَزْجُرُ عن جميع الصِّفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلبِ وهلاكه، فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر، لاشتغلوا بها عن كل ما سواها...».
وجاء في وصف الخوارج؛ قوله ﷺ: «يقرأون القرآن لا يجاوز حلوقهم، أو حناجرهم»[متفق عليه].
قال النووي رحمه الله: «ليس حظهم من القرآن إلاَّ مروره على اللِّسان، فلا يجاوز تراقيهم ليصل قلوبهم، وليس ذلك هو المطلوب، بل المطلوب تعقُّله وتدبُّره بوقوعه في القلب».
فالتدبُّر ليس قبل الفهم، والفهم الصواب هو معرفة التفسير، وهو معرفة مراد الله من الكلام، وقد سبق شرح الجائز من ذلك والممنوع.
٣-الإحسان في معناه اللغوي والشرعي والقرآني هو العملُ بالخيرِ مع الإتقانِ والإجادةِ، ويشمل العباداتِ والمعاملاتِ والعلاقاتِ الاجتماعيةِ،
ويمكن أن يرد إلى الإحسان في عبادة الله تعالى وإلى خلقه.
ولا يليق بأساتذة التدبر أن يخفى عليهم هذا المعنى الظاهر العام في القرآن والسنة، وإن غلب معناه الاصطلاحي أو العرفي في الإنعام على الغير.
وقد وردت "وكذلك نجزي المحسنين" في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم
ووردت في مواضع أخرى بصيغ مقاربة.
قال الطبري:
"وقوله: (وكذلك نجزي المحسنين) يقول تعالى ذكره: وكما جزيت يوسف فآتيته بطاعته إيّاي الحكمَ والعلمَ, ومكنته في الأرض, واستنقذته من أيدي إخوته الذين أرادوا قتله, كذلك نجزي من أحسن في عمله, فأطاعني في أمري، وانتهى عما نهيته عنه من معاصيّ، وهذا، وإن كان مخرج ظاهره على كل محسن, فإن المرادَ به محمدٌ نبيُّ الله ﷺ يقول له عز وجل: كما فعلت هذا بيوسف من بعد ما لقي من إخوته ما لقي، وقاسى من البلاء ما قاسى, فمكنته في الأرض، ووطَّأتُ له في البلاد, فكذلك أفعل بك فأنجيك من مشركي قومك الذين يقصدونك بالعداوة, وأمكن لك في الأرض، وأوتيك الحكم والعلم, لأنّ ذلك جزائي أهلَ الإحسان في أمري ونهيي".
ثم روى بإسناد ثابت عن ابن عباس: (وكذلك نجزي المحسنين) يقول: المهتدين.