تصفّح

من مبادرات

«الاستشارات القرآنية» مبادرة من مركز تفسير للدراسات القرآنية، تُعنى باستقبال الأسئلة والاستشارات المتعلقة بالقرآن الكريم وعلومه، والإجابة عنها من قِبل نخبة من المتخصصين في الدراسات القرآنية.

المقصود بهذه الإشارات في سورة الفتح: (ستدعون إلى قوم أولي بـأس شديد) (فعجل لكم ه…

السؤال

المقصود بهذه الإشارات في سورة الفتح:
(ستدعون إلى قوم أولي بـأس شديد)
(فعجل لكم هذه)
(وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها)
(وأثابهم فتحا قريبا)
(فجعل من دون ذلك فتحا قريبا)؟

الجواب

اختلف المفسرون في هؤلاء القوم الذين يُدعوَن إليهم الذين هم أولو بأس شديد على أقوال:

‏أحدها: أنهم هوازن، روي عن سعيد بن جبير و عكرمة وقتادة ولا شك أن هوازن يصدق عليهم هذا الوصف.

‏الثاني: أنهم ثقيف، قاله الضحاك.

‏الثالث: أنهم بنو حنيفة، قاله جويبر، ورواه محمد بن إسحاق عن الزهري، وروي مثله عن سعيد وعكرمة.

‏الرابع: أنهم أهل فارس، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -رضي الله عنهما، وبه يقول عطاء ومجاهد وعكرمة في إحدى الروايات عنه.

‏الخامس: أنهم الروم قاله كعب الأحبار.

‏وعن ابن أبي ليلى وعطاء والحسن وقتادة: هم فارس والروم.
‏السادس: أنهم أهل الأوثان قاله مجاهد.

‏وعن مجاهد: هم رجال أولو بأس شديد، ولم يعين فرقة، وبه يقول ابن جريج، وهو اختيار ابن جرير وهو الراجح لأنه لادليل على التعيين و ما أبهمه الله فلا فائدة من بيانه.

أمّا ( وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ) فاختلف فيه أيضاً فقيل: المرادُ بالفَتحِ هنا: فَتحُ خَيبَرَ.
‏وممَّن قال بهذا القولِ: ابنُ أبي ليلى، وقَتادةُ، وعِكْرِمةُ، والشَّعْبيُّ، ومقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، والثعلبيُّ، والواحدي، والشوكاني، والسعدي، وابنُ عاشور.
‏
‏وقيل: المرادُ به: فَتحُ مَكَّةَ.
‏ قال ابنُ القَيِّم في زاد المعاد: (كان أوَّلَ الفَتحِ والمغانِمِ فَتحُ خَيبَرَ ومَغانِمُها، ثمَّ استمَرَّت الفُتوحُ والمغانِمُ إلى انقِضاءِ الدَّهرِ).
‏وقال ابنُ كثيرٍ: (هو ما أجرى اللهُ على أيديهم مِنَ الصُّلحِ بَيْنَهم وبيْنَ أعدائِهم، وما حَصَل بذلك مِنَ الخَيرِ العامِّ المُستَمِرِّ المتَّصِلِ بفَتحِ خَيبَرَ وفَتحِ مَكَّةَ، ثمَّ فَتحِ سائِرِ البلادِ والأقاليمِ عليهم، وما حَصَل لهم مِنَ العِزِّ والنَّصرِ والرِّفعةِ في الدُّنيا والآخِرةِ)..

أمّا قوله تعالى: "وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا"

‏فاختلفوا فيها:

‏ فقيل هي: فَتحُ مَكَّةَ: قاله قَتادةُ واختاره ابنُ جريرٍ، والسمرقنديُّ، وابنُ عطيَّةَ، وابن جُزَي.

‏وقيل أنَّ المرادَ: فارِسُ والرُّومُ: قاله ابنُ عبَّاسٍ -في روايةٍ-، وابنُ أبي ليلى، والحسَنُ البصريُّ. ومقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، والواحديُّ.

‏وقيل: هي مغانمُ هَوازِنَ في غزوةِ حُنَينٍ. وممَّن اختاره: الزمخشري، والنسفي.

‏وقال ابنُ كثير: (قال مجاهِدٌ: هي كلُّ فتحٍ وغنيمةٍ إلى يومِ القيامةِ. وقال أبو داودَ الطَّيالسيُّ: حدَّثَنا شُعْبةُ، عن سِمَاكٍ الحَنَفيِّ، عن ابنِ عبَّاسٍ: وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا قال: هذه الفُتوحُ الَّتي تُفتَحُ إلى اليَومِ) .

‏وقال ابن عاشور: (الآيةُ أشارت إلى ثلاثةِ أنواعٍ مِن المغانمِ: نوعٌ مِن مَغانمَ مَوعودةٍ لهم قريبةِ الحُصولِ، وهي مَغانمُ خَيبَرَ؛ ونوعٌ هو مَغانمُ مَرجوَّةٌ كثيرةٌ غيرُ مُعيَّنٍ وَقتُ حُصولِها، ومنها مَغانمُ يومِ حُنَينٍ وما بعْدَه مِن الغزَواتِ؛ ونوعٌ هو مَغانمُ عظيمةٌ لا يَخطُرُ ببالِهم نَوالُها قد أعدَّها اللهُ للمُسلِمينَ، ولعلَّها مغانمُ بلادِ الرُّومِ وبلادِ الفُرسِ وبلادِ البَربرِ، وفي الآيةِ إيماءٌ إلى أنَّ هذا النَّوعَ الأخيرَ لا يَنالُه جَميعُ المخاطَبينَ؛ لأنَّه لم يأْتِ في ذِكرِه بضَميرِهم)..

أمّا قوله تعالى: "فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا"
‏فقيل بأنَّه فَتحُ خَيبَرَ:
‏قاله مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، والسمرقنديُّ، وابنُ أبي زَمَنين، ومكِّي، والسمعاني، والزمخشري، والبيضاوي، والنسفي، وجلال الدين المحلي، وأبو السعود.

‏ وقيل بأنَّه صُلحُ الحُدَيبيَةِ:
‏قاله الواحديُّ، وابنُ جُزَي، وابن القيِّم، وابن كثير، والشنقيطي.

‏وقيل: المرادُ: فتحُ خَيبَرَ، وصُلحُ الحُدَيبيَةِ.
‏ومِمَّن ذهب إلى الجَمعِ بيْنَهما: ابنُ جرير، والبِقاعي.

‏ وذهبَ ابنُ عَطيَّةَ إلى العُمومِ، فقال: (يَحسُنُ أن يكونَ الفَتحُ هنا اسمَ جِنسٍ يَعُمُّ كُلَّ ما وَقَع مِمَّا للنَّبيِّ ﷺ فيه ظهورٌ وفَتحٌ عليه).

‏ وقال ابنُ عاشور: (هذا الفَتحُ أوَّلُه هو فَتحُ خَيبَرَ الَّذي وَقَع قبْلَ عُمرةِ القَضيَّةِ، وهذا القَريبُ مِن وَقتِ الصُّلحِ)..

‏وقال ابن القيِّم: (فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا وهو صُلحُ الحُدَيبيَةِ، وهو أوَّلُ الفَتحِ المذكورِ في قَولِه: "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا" فإنَّ بسَبَبِه حَصَل مِن مَصالحِ الدِّينِ والدُّنيا، والنَّصرِ، وظُهورِ الإسلامِ وبُطلانِ الكُفرِ- ما لم يَكونوا يَرجُونَه قبْلَ ذلك، ودخَلَ النَّاسُ بَعضُهم في بَعضٍ، وتكَلَّم المسلمونَ بكَلِمةِ الإسلامِ وبراهينِه وأدِلَّتِه جَهرةً لا يخافون، ودخَلَ في ذلك الوَقتِ في الإسلامِ قَريبٌ مِمَّن دخل فيه إلى ذلك الوَقتِ، وظهر لكُلِّ أحدٍ بَغيُ المُشرِكينَ وعَداوتُهم وعِنادُهم، وعَلِمَ الخاصُّ والعامُّ أنَّ مُحمَّدًا وأصحابَه أَولى بالحَقِّ والهدى، وأنَّ أعداءَهم ليس بأيديهم إلَّا العُدوانُ والعِنادُ؛ فإنَّ البَيتَ الحرامَ لم يُصَدَّ عنه حاجٌّ ولا مُعتَمِرٌ مِن زَمَنِ إبراهيمَ؛ فتحَقَّقَت العرَبُ عِنادَ قُرَيشٍ وعَداوتَهم، وكان ذلك داعِيةً لِبَشَرٍ كَثيرٍ إلى الإسلامِ، وزاد عِنادُ القَومِ وطُغيانُهم، وذلك مِن أكبرِ العَونِ على نُفوسِهم، وزاد صَبرُ المُؤمِنين واحتِمالُهم والتِزامُهم لحُكمِ اللهِ وطاعةِ رَسولِه، وذلك مِن أعظَمِ أسبابِ نَصْرِهم، إلى غيرِ ذلك مِن الأُمورِ اَّلتي عَلِمَها اللهُ ولم يَعْلَمْها الصَّحابةُ). ( انتهى من شفاء العليل).

تابع القراءة

اسأل المستشار الآلي

أهلًا بك. اكتب سؤالك، وأنقل لك جوابَ من أجاب عن مثله من المستشارين بنصّه.