سورة براءة أبطلت العهود وقررت عدم إمكانية ذلك لقوله {كيف يكون للمشركين عهد...} ث…
السؤال
سورة براءة أبطلت العهود وقررت عدم إمكانية ذلك لقوله {كيف يكون للمشركين عهد...} ثم أثبتت ذلك في قوله {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم..}.
كيف نفهم ذلك؟
الجواب
دل الكتاب والسنة والإجماع على جواز الدخول في المعاهدات للكفار من حيث الجملة:
ومن ذلك عهد النبي ﷺ لليهود ومصالحتهم في المدينة، و صلحه مع المشركين في الحديبية، ومدار الجواز على المصلحة الراجحة، ويقدرها الإمام، وتغمر في بعض المسائل التي قد يظنها بعض الناس مداهنة أو إعطاءَ دنية في الدين؛ ومدار التكليف القدرة والاستطاعة،
وفي الحديث: «ستصالحون الروم صلحًا آمنًا، وتغزون أنتم وهم عدوًّا من ورائكم»([رواه أبو داود وصححه الألباني]). وفيه جواز الدخول في حلف معهم، وقد دخل النبي ﷺ في تحالفات مع المشركين لدفع الصائلين، فقد دخل النبي ﷺ في حماية المطعم بن عدي، ودخل أبو بكر رضي الله عنه في حماية ابن الدغنة، وأمر أصحابه بالذهاب إلى ملك الحبشة، ودخلت خزاعة في حلف النبي ﷺ في الحديبية، وقد اقترح النبي ﷺ على الصحابة رضوان الله عليهم مصالحة المشركين على نصف ثمار المدينة، وهذا وإن لم يفعلوه فإن اقتراحه من النبي ﷺ يدلّ على مشروعيته وجوازه، ولو أخذوا بالعزيمة.
وأما فهمكم أن سورة التوبة أو أولها أو الآية السابعة أبطلت العهد وقررت أنه غير ممكن مطلقا فهذا الفهم غير صحيح وهذه الآيات نزلت في المشركين الذين نقضوا العهد مع المسلمين مرات عديدة فقطع الله تعالى ما بينهم وبين المسلمين من صلات ومنحهم فرصة كافية أربعة أشهر يسيحوا في الأرض ليتمكنوا من النظر والتدبر في أمرهم.
وكيف فهمتم إطلاق نفي العهد مع أن الآية استثنت ولكن لم تكملوها
قال تعالى:
﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة التوبة: 7]
ومعناها كما في المختصر:
لا يصح أن يكون للمشركين بالله عهد وأمان عند الله وعند رسوله إلا عهد أولئك المشركين الذين عاهدتموهم -أيها المسلمون- عند المسجد الحرام في صلح الحديبية، فما أقاموا لكم على العهد الذي بينكم وبينهم ولم ينقضوه فأقيموا أنتم عليه ولا تنقضوه، إن الله يحب المتقين من عباده الذين يمتثلون أوامره، ويجتنبون نواهيه.
ثم بعدها بأربع آيات قال تعالى:
﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ [التوبة: 12]
ومعناها كما في المختصر:
وإن نقض هؤلاء المشركون الذين عاهدتموهم على ترك القتال مدة معلومة عهودَهم ومواثيقَهم، وعابوا دينكم وانتقصوا منه فقاتلوهم، فهم أئمة الكفر وقادته، ولا عهود لهم، ولا مواثيق تحقن دماءهم، قاتلوهم رجاء أن ينتهوا عن كفرهم ونقضهم للعهود وانتقاصهم للدِّين.