لماذا قال الله تعالى: (فاسعوا إلى ذكر الله)، ولم يقل: (فامشوا) أو (فاذهبوا)؟ ما…
السؤال
لماذا قال الله تعالى: (فاسعوا إلى ذكر الله)، ولم يقل: (فامشوا) أو (فاذهبوا)؟
ما دلالة السعي هنا؟
الجواب
قال تعالى:(ﻳٰﺄَﻳﻬَﺎ ٱﻟﺬِﻳﻦَ ﺁﻣَﻨُﻮۤاْ ﺇِﺫَا ﻧُﻮﺩِىَ ﻟِﻠﺼﻼَةِ ﻣِﻦ ﻳَﻮْمِ ٱﻟْﺠُﻤُﻌَﺔِ ﻓَﭑﺳْﻌَﻮْاْ ﺇِﻟَﻰٰ ﺫِﻛْﺮِ ٱﻟﻠﻪِ) (9 ) الجمعة.
اختلف في معنى السعي هنا ، وحاصل أقوال المفسرين فيه على ثلاثة أقوال لا يعارض بعضها بعضا:
الأول: العمل لها، والتهيؤ من أجلها .
ويدل له أن السعي يطلق في القرآن على العمل، قال تعالى: (إن سعيكم لشتى).
الثاني : القصد والنية على إتيانها .
قال الحسن: والله ما هو بسعي على الأقدام، ولكن سعي القلوب والنية .
الثالث: السعي على الأقدام دون الركوب.
ويدل له ماثبت في فضل ذلك.
والظاهر أن السعي ليس هو المضي المجرد بل المضي المصاحب لهذه الأمور الثلاثة
وقد جاء في السنة من الحث على السكينة والوقار مايدل على تفسير السعي بغير الركض والسرعة المذمومة فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: " إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا " .
متفق عليه.
وقد يدل له القراءة الشاذة في كلمة فاسعوا فقد روى أبو عبيد وابن أبي شيبة وعمر بن شبَّة وغيرهم بإسناد صحيح عن عمرَ بن الخطاب أن أُبَيًّا كان يقرؤها: «فامضوا إلى ذكر الله».
وأخرج الشافعي في «الأم» وغيره كثير بإسناد صحيح، عن سالم، عن أبيه: أنَّ عمرَ كان يقرأ: «فامضوا إلى ذكر الله».
و علَّقه البخاري في «صحيحه» بصيغة الجزم، فقال: وقرأ عمر: «فامضوا إلى ذكر الله».
قال ابن المنذر: وأكثر القرَّاء على القراءة التي في المصاحف: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾، وممن كان يقرأ هذه الآية أُبَي بن كعب وعوام القرَّاء، وهُم وإن اختلفوا في قراءة الآية، فلا أحسبهم يختلفون في معناها، لأني لا أحفظ عن أحد منهم أنه قال: معناه السعي على الأقدام والعدو، والدليل على صحة هذا المعنى ثبوت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن السعي على الأقدام إلى الصلوات، ودَخَلت الجمعة في جُمَل الصلوات وعمومها.
قال ابن العربي في أحكام القرآن: "وَقَرَأَهَا عُمَرُ: «فَامْضُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ» فِرَارًا عَنْ ظَنِّ الْجَرْيِ وَالِاشْتِدَادِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ".
والظاهر أن السعي يتضمن معنى زائدا على المضي وهو الجد والحرص على التحصيل .
ففي القراءة المتواترة (ﻓَﭑﺳْﻌَﻮْاْ) من الدلالة على الجد والاهتمام بالحضور إليها والتبكير إليها ماليس في الشاذة (فَامْضُوا).
قال الراغب الأصفهاني : السعي المشي السريع ، وهو دون العدو ، ويستعمل للجد في الأمر خيرا كان أو شرا، قال تعالى: (وسعى في خرابها)
(وإذا تولى سعى في الأرض)، (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها).
قال ابن عاشور:
"السعى اصله الشدة فى المشى، والمراد: المشى بحرص وتوقى التأخير".