ما الراجح في تفسير قوله تعالى: "واللذان يأتيانها منكم فآذوهما"؟ وإذا كانا اللذا…
السؤال
ما الراجح في تفسير قوله تعالى: "واللذان يأتيانها منكم فآذوهما"؟
وإذا كانا اللذان يعملان عمل قوم لوط،
ما توجيه قوله صلى الله عليه و سلم: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به"؟
الجواب
قال الله تعالى:
(وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا) النساء/16.
لم يرد في الآية من أقوال أئمة التفسير من السلف ما يقطع بأن المراد بهذه الآية فاحشة اللواط، كما أن سياق الآية لا يساعد عليه، كما نبه إلى هذا ابن العربي رحمه الله تعالى.
والمشهور من أقوال أهل التفسير أنها في الزناة، مع اختلافهم هل هي خاصة بالرجال منهم، ثيبهم وبكرهم، أم تتناول الرجال
والنساء.
وعلى هذا القول المشهور، فهي عند جماهير أهل العلم منسوخة بآية سورة النور.
لكن جاءت رواية ضعيفة عن مجاهد تحتمل حمل هذه الآية على الرجلين يأتي أحدهما الآخر.
وهي ما رواه الطبري في التفسير، قال: حدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: حدَّثنا يحيى، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ: "وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا" قال: الرجلان الفاعلان، لا يَكْنِى.
على تفسير بعضهم (الرجلان الفاعلان) بذلك، قال ابن كثير:
" وكأنه يريد اللواط - والله أعلم".
ويضعف هذا الفهم أمور عدة:
١-أنه قد رواه الطبري وابن أبي حاتم كلاهما في التفسير: من طريق ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: في قوله: "وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ" : الزانيان، وعند ابن أبي حاتم بلفظ: (الرَّجُلانِ الزَّانِيَانِ).
وبهذا اللفظ رواه ابن المنذر في التفسير من طريق ابْن ثَوْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مجاهد: "وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ" الرَّجُلانِ الزَّانِيَانِ.
٢-أنه قد ورد بالإسناد الأول عند الإمام الطبري، أن مجاهدا يرى أن هذه الآية منسوخة بآية النور في الزناة.
قال الطبري:"….حدَّثنا أبو هشام، قال: حدَّثنا يحيى، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا الآية. قال: هذا نَسخته الآية في سورة "النور" بالحدِّ المفروض ".
وكذا رواه ابن المنذر في التفسير من طريق ابْن ثَوْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مجاهد.
٣-أن جملة من أئمة التفسير لم يفهموا من قول مجاهد هذا أنه يعني به فاحشة اللواط.
كالإمام الطبري والواحدي و ابن الجوزي وغيرهم.
ويحتمل: أن مجاهدا أراد من قوله: (الرَّجُلانِ الزَّانِيَانِ)، أي الصنفان من الرجال الزناة: الرجل البِكر غير المحصن، والرجل الثيب المحصن.
وأما إذا حُمِل قولُ مجاهد على فاحشة اللواط، فلم يرد في آيات القرآن ما يصرح بنسخ هذا الحكم.
وأما في السنة فورد هذا الحديث الذي ذكرتم وهو مارواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه: عَنْ عَبْد الْعَزِيزِ بْن مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ، وَالْمَفْعُولَ بِهِ ".
قال الترمذي:
" وإنّما يُعْرَف هذا الحديث عن ابن عبّاس، عن النّبيّ ﷺ من هذا الوجه، وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ هذا الحديث عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، فَقَالَ: ( مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ ) ولم يذكر فيه القتل ...
وقد رُوِي هذا الحديث عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (اقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ).
هذا حديث في إسناده مقال، ولا نعرف أحدا رواه عن سهيل بن أبي صالح، غيرُ عاصم بن عمر العمريّ، وعاصم بن عمر يضعّف في الحديث من قبل حفظه " انتهى.
ويحتمل أن يكون مجاهدٌ رحمه الله تعالى قد أطلق الزنا في قوله: (الرَّجُلانِ الزَّانِيَانِ)، وأراد فاحشة اللواط، على مذهب من يلحق فاحشة اللواط بفاحشة الزنا، ويرى حدهما وعقوبتهما واحدة. وقد نص ابن عبد البر رحمه الله تعالى، على هذا الوجه.
قال ابن عطية رحمه الله تعالى:
"وأجمع العلماء على أن هاتين الآيتين منسوختان بآية الجلد في سورة النور، قاله الحسن ومجاهد وغيرهما، إلا من قال: إن الأذى والتعيير باق مع الجلد، لأنهما لا يتعارضان، بل يتحملان على شخص واحد، وأما الحبس فمنسوخ بإجماع".
فالخلاصة أن المفسرين اختلفوا في الاية على قولين:
الأول: أنّ المرادَ بها الزَّانِيَانِ، فهي فاحشةِ الزِّنَا، وعلى هذا جمهور المفسِّرينَ، بل عليه مايشبه الاتفاق.
الثاني: أنّ المرادَ بها اللاَّئِطَانِ،وهذا روي بإسناد فيه ضعف ومعنى فيه احتمال عن مُجاهد، وقد رُوِيَ عنه بهذا الطريقِ نفسه وبأصح وأبين منه ما يُوَافِقُ قولَ الجمهورِ.
وقال به أبو مسلم الأصفهاني حتّى لا يَقَعَ فيها نَسْخٌ، وهو مَبنيٌّ على مَذهبِهِ الباطل في عدم وقوع النسخِ شَرْعًا.
واختاره النَّحَّاسُ وابنُ العربي لان لَفْظُ {اللَّذَانِ}مُثَنَّى (الذي) فهو لفظٌ مُذَّكَّر فاقتضى الرجالَ خاصّةً، مع تَقَدُّمِ حُكْمِ النساءِ في الآيةِ التي قبلها.
والجوابُ عنه: أنّ المرادَ بذلكَ الزَّانِي والزَّانِيَة، فإنّهُ قد أَفْرَدَ ذِكْرَ النساءِ في الآيةِ التي قبلها ثم جمعهما جميعًا في هذه الآيةِ بلفظِ التذكيرِ تَغليبًا.
و لَمْ يتقدّم لِلَّوَاطِ ذِكْرٌ في الآيةِ، ولَمْ يُصَرَّح بِهِ في الآية، وأمّا تذكيرُ {اللَّذَانِ} فهو مِن بابِ التغليبِ كما تقدّم.
فالخلاصة أن المفسرين اختلفوا في الاية على قولين:
الأول: أنّ المرادَ بها الزَّانِيَانِ، فهي فاحشةِ الزِّنَا، وعلى هذا جمهور المفسِّرينَ، بل عليه مايشبه الاتفاق.
الثاني: أنّ المرادَ بها اللاَّئِطَانِ،وهذا روي بإسناد فيه ضعف ومعنى فيه احتمال عن مُجاهد، وقد رُوِيَ عنه بهذا الطريقِ نفسه وبأصح وأبين منه ما يُوَافِقُ قولَ الجمهورِ.
وقال به أبو مسلم الأصفهاني حتّى لا يَقَعَ فيها نَسْخٌ، وهو مَبنيٌّ على مَذهبِهِ الباطل في عدم وقوع النسخِ شَرْعًا.
واختاره النَّحَّاسُ وابنُ العربي لان لَفْظُ {اللَّذَانِ}مُثَنَّى (الذي) فهو لفظٌ مُذَّكَّر فاقتضى الرجالَ خاصّةً، مع تَقَدُّمِ حُكْمِ النساءِ في الآيةِ التي قبلها.
والجوابُ عنه: أنّ المرادَ بذلكَ الزَّانِي والزَّانِيَة، فإنّهُ قد أَفْرَدَ ذِكْرَ النساءِ في الآيةِ التي قبلها ثم جمعهما جميعًا في هذه الآيةِ بلفظِ التذكيرِ تَغليبًا.
و لَمْ يتقدّم لِلَّوَاطِ ذِكْرٌ في الآيةِ، ولَمْ يُصَرَّح بِهِ في الآية، وأمّا تذكيرُ {اللَّذَانِ} فهو مِن بابِ التغليبِ كما تقدّم.