ما هو ترجيح ابن جرير في الحروف المقطعة؟
السؤال
ما هو ترجيح ابن جرير في الحروف المقطعة؟
الجواب
قال الطبري في تفسيره:
"والصواب من القول عندي في تأويل مفاتِح السور، التي هي حروف المعجم: أنّ الله جلّ ثناؤه جعلَها حروفًا مقطَّعة ولم يصِل بعضَها ببعض -فيجعلها كسائر الكلام المتّصِل
الحروف– لأنه عز ذكره أراد بلفظِه الدلالةَ بكل حرف منه على معان كثيرة، لا على معنى واحد، كما قال الربيعُ بن أنس، وإن كان الربيع قد اقتصَر به على معانٍ ثلاثةٍ، دون ما زاد عليها.
والصوابُ في تأويل ذلك عندي:
أنّ كلّ حرف منه يحوي ما قاله الربيع، وما قاله سائر المفسرين غيرُه فيه -سوى ما ذكرتُ من القول عَمَّن ذكرت عنه من أهل العربية: أنه كان يوجِّه تأويلَ ذلك إلى أنّه حروف هجاء، استُغني بذكر ما ذُكر منه في مفاتيح السور، عن ذكر تتمة الثمانية والعشرين حرفًا من حروف المعجم، بتأويل: أن هذه الحروف، ذلك الكتاب، مجموعة، لا ريب فيه– فإنه قول خطأ فاسدٌ، لخروجه عن أقوال جميع الصحابة والتابعين وَمن بَعدَهم من الخالفين منْ أهل التفسير والتأويل، فكفى دلالة على خَطئة، شهادةُ الحجة عليه بالخطأ، مع إبطال قائل ذلك قولَه الذي حكيناه عنه –إذ صار إلى البيان عن رفع (ذلك الكتاب)– بقوله مرّة إنه مرفوعٌ كلّ واحد منهما بصاحبه، ومرة أخرى أنه مرفوعٌ بالرّاجع من ذكره في قوله (لا ريب فيه) ومرة بقوله (هدى للمتقين) وذلك تركٌ منه لقوله: إن (الم) رافعةٌ (ذلك الكتاب) …"
إلى آخر كلامه.
فقد اختار ابن جرير شمول هذه الأحرف للأقوال التي ذكرها المفسرون في تأويلها، وأن كل حرف منها يحوي ما قاله أهل التأويل في معناها.. سوى قول واحد لأهل العربية أنكره.
وقد استدرك الخطيب الإسكافي في المجلس الثالث من مجالس كتابه "المجالس" عليه بأن اللفظة الواحدة وإن صلحت لمعانٍ مختلفة فإنها في مكان واحد لا يصح أن يراد بها تلك المعاني كلها، ألا ترى أن العين إذا استعملت في كلام وأريد بها الجارحة لم يصح أن يكون مع إرادة الجارحة بها مرادا بها غيرها من المعاني التي يصح أن تراد.
ولكن هذا الاستدراك مبني على منع حمل اللفظ المشترك على معانيه دفعة واحدة، والأظهر جواز حمل اللفظ المشترك على ما يحتمله السياق من معانيه، والإمام ابن جرير من القائلين بجواز حمل المشترك على معانيه، وقد قرر هذا بعد كلامه الذي أشار إليه الإسكافي في كلامه السابق، فلا وجه لاستدراك الخطيب على الإمام ابن جرير الطبري.
والله أعلم.