تصفّح

من مبادرات

«الاستشارات القرآنية» مبادرة من مركز تفسير للدراسات القرآنية، تُعنى باستقبال الأسئلة والاستشارات المتعلقة بالقرآن الكريم وعلومه، والإجابة عنها من قِبل نخبة من المتخصصين في الدراسات القرآنية.

{كمثل الذين من قبلهم قريب} من هم؟

السؤال

{كمثل الذين من قبلهم قريب}
من هم؟

الجواب

قال الله تعالى في يهود بني النضير: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
‏الاية في سورة بني النضير، والسياق فيهم،

‏وقد اختلف مفسرو السلف والخلف في تعيين هؤلاء الذين تقدموا بني النضير بزمن قريب، وذاقوا سوء عاقبة كفرهم، ونكثهم للعهود على قولين، كلاهما محتمل، لتعدد من ذاقوا وبال أمرهم قبلهم قريبا، فمنهم يهود بني قينقاع ومنهم كفار قريش يوم بدر.

‏أ-فالقول الأول: أنهم يهود بني قينقاع ،
‏روي عن ابن عباس من طريق محمد بن أبي محمد ومن العلماء من يصححه، وثبت عن قتادة ونقل عن غيرهما، واختاره بعض العلماء ومنهم ابن كثير، وابن جزي، والبقاعي، والشنقيطي.

‏ويدل له:
‏ ١-اتحاد الجنس والذنب، فكلا الطائفتين (بنو قينقاع وبنو النضير) من يهود المدينة الذين عاهدوا النبي ﷺ ثم نقضوا عهدهم وظاهروا أعداءه.

‏٢-كما تدل له: المشاكلة في نوع العقوبة الدنيوية (الوبال)، حيث عوقب بنو قينقاع بالجلاء والنفي وإخراجهم من ديارهم، وهو عين ما ذاقه بنو النضير لاحقًا.

‏٣- كما يدل له: القرب الزمني المباشر؛ إذ كان جلاء بني قينقاع في شوال من السنة الثانية من الهجرة، ثم كان جلاء بني النضير في ربيع الأول من السنة الرابعة، فكانت حادثة بني قينقاع قريبة.

‏ب-والقول الثاني: أنهم كفار قريش الذين قُتلوا وأُسروا في غزوة بدر.
‏ وقد ثبت عن مجاهد، ونقل عن السدي وغيره،
‏واختاره الزجاج، والثعلبي، والواحدي، والبغوي، والزمخشري، والرازي، والسعدي، وغيرهم.
‏( وبعضهم فروع الثعلبي ولذا كثروا بالنقل)
‏ودليل هذا القول:
‏ أن موقعة بدر كانت الحدث الأكبر إذ كان فيه مصرع صناديد الكفر ورؤوس الضلال، فالتشبيه بهم أقوى في الردع والزجر.
‏كما أن هناك تلازمًا سياقيًا مع خذلان المنافقين لبني النضير، حيث شُبّه خذلان عبد الله بن أبي سلول لليهود بـخذلان قريش لحلفائها أو خذلان الشيطان لأهل بدر.
‏لكن لا يقوي هذا القول أن كفار قريش كانوا وثنيين عباد أصنام، بينما بنو النضير أهل كتاب، والمشابهة بين أهل الكتاب وأهل الكتاب أشد مطابقة وتجانسًا.
‏كما أن نوع الوبال مختلف؛ فوبال أهل بدر كان القتل الذريع والأسر الصاغر، بينما عقوبة بني النضير كانت الجلاء وترك الديار، مما يضعف وجه الشبه مقارنة بحال بني قينقاع.

‏والراجح فيما أعلم الجمع بين القولين
‏وهو قول الطبري:
‏" وأولى القولين في ذلك بالصواب: قول من قال: عُني بذلك بنو قينقاع ووقعة بدر جميعاً، لأن كل ذلك قد كان قبل جلاء بني النضير وقبل نزول هذه الآية بقريب، وكل قد ذاق وبال أمره؛ أما بنو قينقاع فالجلاء، وأما مشركو قريش فالقتل والأسر ببدر، ولم يخصص الله تعالى ذكره من ذلك بعضاً دون بعض، بل عمّ فقال: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا﴾، فكل مَن كان قريباً منهم من هؤلاء المذكورين فداق وبال أمره، فداخل في الآية".

‏لكن القول بأن المراد بهم بنو قينقاع أبين، لما سبق من أدلة هذا القول السياقية (السياق المقامي = الحالي) وهو التجانس في الجنس (يهود مع يهود) والمكان (المدينة) يكون أوقع في الحجة وأقطع للمعذرة.
‏و للتطابق في مفهوم "الوبال الدنيوي" الذي حاق بالطائفتين وهو "الجلاء"، فكأن الله يذكر بني النضير بوقعة جيرانهم وإخوانهم في العقيدة والعهد ليقيسوا مصيرهم بمصيرهم.
‏و للقرب الذي نص عليه اللفظ القرآني "قريبًا"؛ فرغم أن بدرًا وبني قينقاع كانا في زمن متقارب، إلا أن حادثة بني قينقاع كانت هي الحادثة السابقة مباشرة لبني النضير من جنس عقوبتهم، فكانت الأقرب عهدًا والأقوى شبهًا بوقائع سورة الحشر.

تابع القراءة

اسأل المستشار الآلي

أهلًا بك. اكتب سؤالك، وأنقل لك جوابَ من أجاب عن مثله من المستشارين بنصّه.