(وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيه…
السؤال
(وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ)
هل (أمرنا) فيها قراءات وماذا يترتب في اختلافها على المعنى؟
الجواب
قوله تعالى: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) الإسراء(16)
ورد في قوله تعالى: (أمرنا) سبع قراءات، قراءتان متواترتان، وخمس قراءات غير متواترة؛ وهي:
١-(أَمَرْنَا) بقصر الألف وتخفيف الميم وفتحها. وهي قراءة كل القراء العشرة سوى يعقوب، من الأمْرِ ضد النهي،
وتوجيهها من حيث معناها يحتمل وجوها ممن ذكرها الطبري وغيره:
أ-أظهرها:
أمرنا مترفيها بالطاعة، ففسقوا فيها بمعصيتهم الله، وخلافهم أمره، وهو ما رجحه الأكثرون من العلماء.
و الراجح أنه من أصح ما يدخل لأن "الأغلب من معنى أمرنا: الأمر، الذي هو خلاف النهي دون غيره، وتوجيه معاني كلام الله جل ثناؤه إلى الأشهر الأعرف من معانيه أولى ما وجد إليه سبيل من غيره". قاله الطبري.
قال القسطلانى:
" أمرنا ليس له مفعول منوى كقولهم أمرته فعصاني".
ب-ويحتمل أن يكون معناه:
جعلناهم أمراء ففسقوا فيها؛
ج- وجعله بعضهم بمعنى أكثرنا مترفيها، واحتج لتصحيحه ذلك بما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: “خير المال مهرة مأمورة أو سكة مأبورة” ويقول: إن معنى قوله: مأمورة: كثيرة النسل.
وأنكر بعضهم أن يكون معنى أمرنا: أكثرنا إلا بمد الألف من أمرنا.
وأما قوله “مهرة مأمورة”: فقيل ذلك على الاتباع لمجيء مأبورة بعدها، كما قيل: “ارجعن مأزورات غير مأجورات” فهمز مأزورات لهمز مأجورات، وهي من وزرت إتباعًا لبعض الكلام بعضًا…"
د- وقيل: الأمر هنا كوني قدري أي قدرنا عليهم ذلك وسَخرناهم له، قاله ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وابن أبي العز والسعدى وغيرهم.
و قاله المعتزلة ومنهم الزمخشري
ورده كثيرون منهم أبو حيان في ”البحر“، والرازي في تفسيره، والشنقيطي والزميل
د/ محمد القحطاني في دراسته المنشورة في اختيارات ابن القيم (وابن القيم قرره من وجوه ردها الشيخ) وغيرهم.
٢-(آمَرْنا) بمد الألف، وقرأ بها يعقوب وحده من الثلاثة الذين ثبتت قراءتهم بعد السبعة.
وقرأ بها غير يعقوب، في غير المتواتر.
قال الطبري: "وذكر عن الحسن البصري أنه قرأ ذلك (آمرنا) بمد الألف من أمرنا، بمعنى: أكثرنا فسقتها".
٣-أَمَّرْنا بتشديد الميم، ونسبت إلى علي بن أبي طالب، وابن عباس، وأبي العالية الرياحي، والنخعي، وأبي عثمان النهدي، ومجاهد، والحسن، والباقر، وزيد بن علي، وأبي رجاء العطاردي، والسدي، والجحدري، والربيع بن أنس،
وتفرد بها أبو العباس عن أبي عمرو، وأبان عن عاصم، وهدبة عن حماد بن سلمة عن ابن كثير.
قال الطبري:
"بمعنى الإمارة، وقد تأول هذا الكلام على هذا التأويل، جماعة من أهل التأويل.
ثم رواه بسند حسن عن ابن عباس، قوله:(أمرنا مترفيها) يقول: سلطنا أشرارها؛ فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكتهم بالعذاب، وهو قوله: (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها).
ثم روى عن الربيع بن أنس، أنه قرأها (أمّرنا)، وقال: سلطنا.
و عن أبي العالية، قال:(أمّرنا) مثقلة: جعلنا عليها مترفيها: مستكبريها.
٤- أَمِرنا بقصر الألف، وكسر الميم.
٥- آمِرنا بمد الألف، وكسر الميم.
٦- أمْأرنا.
٧-بعثنا.
(معجم القراءات لعبد اللطيف الخطيب 5/30-33).
والمختار كما عند الزميل في هذه الاستشارات الدكتور محمد القحطاني:
حمل الآية على المعاني الثلاثة الصحيحة جميعاً على معنى:
إذا أراد الله إهلاك قرية –لعلمه السابق أنهم يكفرون– كثّر مترفيها، وجعلهم أمراء متسلطين، وأمرهم على لسان رسله والدعاة إلى دينه بالطاعة فعصوا، فتكون المعصية والفسوق غالبين؛ فإذا تحققت هذه الأمور مجتمعة حق عليها القول، فدمرها الله تعالى تدميراً
وهذا الراجح إن شاء الله تعالى.