(أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) هل اختلاف الشرائع في بعض الأحكام العملية ي…
السؤال
(أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده)
هل اختلاف الشرائع في بعض الأحكام العملية يعني أن شرائع الأنبياء مختلفة مطلقًا، أم أن بينها قدرًا مشتركًا، كالتوحيد؟ ما دلالة سجود النبي في سورة ص؟
هل يُستدل بقصة داود عليه السلام وسجود النبي عند هذه الآية أنه اقتدى بداود في هذا الحكم الشرعي؟
الجواب
قد بيّن القرآن والسنة في آيات وأحاديث كثيرة أن مصدر الديانات واحد، وغاية إرسال الرسل واحدة، ومنها قول الله تعالى:
(ألم * اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ) [آل عمران: 1-4]،
وقال الله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل: 36]،
فدِين الأنبياء مِن أوَّلهم نوح عليه السلام إلى آخِرِهم، محمَّد عليهم الصلاة والسلام هو الإسلام،
قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلاَمُ) [آل عمران: 19]،
والمراد به: الاستسلام لله تعالى وفق مراد الله وشرعه والذي أنزله على أنبيائه ورسله.
فالإسلام له إطلاقان: عام وخاص،
أما الإسلام العام فهو دين الأنبياء الذي يقوم على الأصول العامة وهي أربعة:
الأصل الأول: توحيد الله تعالى.
الأصل الثاني: أصول الشرائع كالصلاة والزكاة والصيام مع الاختلاف في تفاصيل الأحكام.
الأصل الثالث: القيم الخُلقية كالصدق والعدل والإحسان والأمانة وغيرها.
الأصل الرابع: تحريم الفواحش كالقتل والزنا والربا والظلم والسرقة والكذب وغيرها.
والاختلاف في دين الأنبياء إنما هو في تفاصيل الشرائع بحسب طبيعة كلّ أمة وما يناسبها، وهي المقصودة في قوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) [المائدة: 48].
وجاء في الحديث في الصحيحين عن النبي ﷺ قوله: "الأنبياء إخوة لعلات؛ أمهاتهم شتّى، ودينهم واحد".
وهذا مثل ضربه الرسول ﷺ ليبيِّن اتفاق الرسل في الدين الواحد واختلافهم في الشرائع.
وأما الإسلام الخاص فهو ما بُعث به محمد ﷺ المتمثّل بالقرآن العظيم وسنة النبي الكريم ﷺ .
وأما سجدة ص فالظاهر أنها من مواضع السجود فقد أخرج البخاري في صحيحه في تفسير سورة ص - بسنده - عن العوَّام قال: سألت مجاهدًا عن السجدة في ص، قال: سئل ابن عباس، فقال: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ [الأنعام: 90]، وكان ابن عباس يسجد فيها.
ثم روى البخاري بسنده عن العوَّام قال: سألت مجاهدًا عن سجدة ص، فقال: سألت ابن عباس: مِن أين سجدت؟ فقال: أَوَ مَا تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: 84] - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]، فكان داود ممَّن أُمِر نبيُّكم ﷺ أن يقتدي به، فسجدها داود عليه السلام، فسجدها الرسول ﷺ.
فيكون ابن عباس رضي الله عنهما سجدها اقتداءً برسول الله ﷺ واستنباطًا من الآية الكريمة.
وثبت عن عُثمانَ بنِ عفَّانَ: أنَّهُ سجدَ في ص.