﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلهُ سَاكِنًا…
السؤال
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٥]
كيف تكون الشمس دليلًا على الظلّ، والظلّ إنما يُعرف بها لا هي به؟
الجواب
في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46)﴾
يَذكُرُ الله تعالى بعضَ مظاهرِ قدرتِه، ويمتَنُّ على عبادِه ببيانِ بعضِ النِّعمِ التي أنعَم بها عليهم، فيقول: ألمْ ترَ -يا محمَّدُ- إلى كيفيَّةِ بسْطِ رَبِّك الظِّلَّ على الأرضِ مِن بعْدِ طُلوعِ الفَجرِ إلى طُلوعِ الشَّمسِ، ولو شاء اللهُ لجعَلَ الظِّلَّ دائمًا لا يتحَرَّكُ، ثمَّ جعَلَ الشَّمسَ عندَ طلوعِها دالَّةً على الظِّلِّ، فهو يَتبَعُها، ويتفاوَتُ بحَركتِها
قال ابن عثيمين:
قولُه: (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا) جَعْلُ الشَّمسِ دَليلًا على الظِّلِّ فيه دليلٌ ليس على مجرَّدِ وجودِ الظلِّ، بل دليلٌ على ما فيه مِن المصالحِ، وهي أيضًا مدلولٌ عليها به؛ فالشَّمسُ الآنَ يُستدَلُّ بها على ما في الظلِّ مِن المصالحِ، ويُستدَلُّ بالظِّلِّ على ما فيها من المصالحِ أيضًا؛ لأنَّ غيبَ الشَّمسِ عن الأرضِ قد يؤثِّرُ، وبقاءَها دائمًا على وجهِ الأرضِ قد يؤثِّرُ، مِثلُ قَولِ الله سُبحانَه وتعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [القصص: 71، 72]، فكونُ هذا دليلًا على هذا، وهذا دليلًا على هذا: هو أيضًا مِن رحمةِ الله؛ لأنَّه لولا الشمسُ ما عرَفْنا فائدةَ الظلِّ، ولولا الظلُّ ما عرَفْنا فائدةَ الشَّمسِ، فكُلٌّ منهما في الحقيقةِ دالٌّ ومدلولٌ).
(تفسير ابن عثيمين - سورة الفرقان) (ص: 194).
ففي قولُه تعالى:(ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا) الاستِدلالُ بالشَّيءِ على ضِدِّه (وبضِدِّه يُعرَفُ الضِّدُّ)، (وبضِدِّها تتبيَّنُ الأشياءُ)، والمرادُ بالاستِدلالِ بالشَّيءِ على ضِدِّه: النِّعَمُ؛ ففيه مَعرِفةُ قدْرِ النِّعَمِ بمَعرفةِ ضِدِّها، وأنَّ الإنسانَ يستَدِلُّ على مِقدارِ هذه النِّعمةِ بضِدِّها.