في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ…
السؤال
في قوله تعالى:
﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾ [التوبة: ١١٨]
ما الفرق بين ضيق الأرض عليهم وضيق أنفسهم عليهم؟ ولماذا قُدِّم الأول؟
الجواب
بسم الله وبه أستعين
الفرق أن ضيق الأرض ضيق من الخارج، وضيق النفس من الداخل:
﴿ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾
أي: ضاقت عليهم الدنيا الواسعة؛ فلا مكان يؤنسهم، ولا مجلس يريحهم، ولا مجتمع يأوون إليه، بعد أن هجرهم الناس وانتظروا حكم الله فيهم. فالأرض واسعة في ذاتها، لكنها صارت في شعورهم كالمكان الضيق.
﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾
فلم يعودوا يجدون الراحة حتى في داخل نفوسهم؛ استولى عليهم الهم والندم والخوف، حتى صار الإنسان لا يطيق نفسه، ولا يجد في باطنه مهربًا مما يعانيه. وهذا أبلغ وأشد!
ولعل تقديم ضيق الأرض لوجوه:
1. الترقي من الأخف إلى الأشد؛ فقد تضيق على الإنسان الأماكن، ويبقى له في نفسه سلوة، فإذا ضاقت عليه نفسه فقد انقطع آخر مواضع الراحة.
2. الانتقال من الخارج إلى الداخل؛ ضاق بهم المحيط أولًا، ثم نفذ الضيق إلى أعماقهم.
3. تمهيدًا لقوله: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾؛ فكأن الآية تسلب منهم الملاجيء واحدًا بعد آخر:
لا ملجأ في الأرض،
ولا ملجأ في النفس،
فتكون النتيجة: لا ملجأ إلا إلى الله.
فالترتيب بالغ الحسن مطابق للواقع: ضاقت بهم الدنيا، ثم ضاقت بهم ذواتهم، فانفتح لهم باب الله، الذي لا ملجأ منه إلا إليه.
والله أعلم، وهو الموفق للصواب.