قال تعالى في قصة نوح عليه السلام: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِي…
السؤال
قال تعالى في قصة نوح عليه السلام: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: 14]
لماذا لم يقل: ألف سنة إلا خمسين سنة؟
الجواب
بسم الله وبه أستعين
أولا - الأولى والأحسن أن تسأل بطريقة أنسب، فتقول: ما سرّ التعبير بـ: "بألف سنة إلا خمسين عاما" دون "إلا خمسين سنة" مثلا؟
ثانيا - قد ذكر العلماء في توجيه ذلك وجهين:
الوجه الأول: اجتناب تكرار اللفظ الواحد في موضع متقارب. وهو ما قرره الزمخشري في الكشاف، إذ بيّن أن تكرار اللفظة الواحدة في الكلام الواحد مما تتجنبه البلاغة، إلا لغرض يقصده المتكلم من تفخيم أو تهويل أو تقرير. فلو قيل «ألف سنة إلا خمسين سنة» لثقل الكلام بتكرار «سنة» دون فائدة، فجاء التنويع بين «سنة» و«عام» ليكون أخفّ على السمع وأجرى على سنن الفصاحة. وابن عاشور قرر هذا بوضوح فقال: (وأُوثِرَ تَمْيِيزُ ألْفٍ بِـ سَنَةً لِطَلَبِ الخِفَّةِ بِلَفْظِ سَنَةٍ، ومُيِّزَ خَمْسِينَ بِلَفْظِ عامًا؛ لِئَلّا يُكَرَّرَ لَفْظُ ”سَنَةٍ“).
الوجه الثاني: الفرق الدلالي بين «السنة» و«العام». لاحظ بعض العلماء أن القرآن يستعمل «السنة» غالبًا في سياق الشدة والجدب والمعاناة، ويستعمل «العام» في سياق الرخاء والخصب والراحة. وأوضح شاهد على ذلك سورة يوسف: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ ثم ﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾، ثم قال: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾، وكذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ أي بالجدب.
وعلى هذا يكون المعنى في آية نوح أن الألف إلا خمسين، وهي تسعمائة وخمسون، كانت «سنين» من الكدّ والدعوة والصبر على أذى قومه وتكذيبهم، وأن الخمسين المستثناة كانت «أعوامًا» من الراحة، وقد حملها بعضهم على ما عاشه بعد الطوفان ونجاته مع المؤمنين، وحملها آخرون على ما قبل البعثة. والتعيين هنا اجتهاد، ينبغي عدم الجزم به.
ويحسن التنبيه إلى أن هذا الفرق بين السنة والعام أغلبيّ لا مطّرد، فقد ترد «سنة» في غير سياق الشدة، فلا يُجعل قاعدة قطعية. لكنه في هذه الآية منسجم مع السياق انسجامًا واضحًا.
ثالثا- ثمة لطيفة متصلة بالسؤال، وهي العدول عن قول «تسعمائة وخمسين» إلى صيغة الاستثناء. فالبدء بـ«ألف» يملأ السمع بضخامة المدة أولًا، وفي ذلك تصوير لطول صبر نوح عليه السلام، وهو أنسب لمقام تسلية النبي ﷺ في سورة العنكبوت التي افتُتحت بذكر الفتنة والابتلاء: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا﴾. فكأنه يقال له: إن كان قومك قد آذوك سنين، فقد لبث أخوك نوح يدعو قومه قرابة ألف سنة.
والله تعالى أعلم.