قوله: (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ) ذكر السماء -والله أعلم- على اللفظ و(به) قد ي…
السؤال
قوله: (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ)
ذكر السماء -والله أعلم- على اللفظ و(به) قد يحتمل أن تكون الباء فيه بمعنى "في" كما قال: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ).
من قال من المفسرين بهذا التفسير وهل هو قريب أم بعيد؟
الجواب
بسم الله وبه أستعين
نعم، هذا التفسير له أصل قوي عند المتقدمين، وليس بعيدًا؛ بل إن بعضهم عده من أحسن ما قيل في الآية. وأقرب من وقفت عليه إلى الصياغة التي ذكرتموها الفراء، ثم الرازي والقرطبي، واختاره صراحة ابن عاشور.
أما من قال به:
الفراء: نقل عنه الرازي في مفاتيح الغيب عند قوله تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ قولين يطابقان ما ذكرتموه تقريبًا؛ ففي تذكير ﴿منفطر﴾ قال: إن السماء تذكّر وتؤنث، وهي هاهنا على وجه التذكير، وفي معنى ﴿به﴾ نقل عنه الرازي نصًّا: «المعنى: منفطر فيه».
لكن يحسن التنبيه إلى أن النص المطبوع المتداول من معاني القرآن للفراء في هذا الموضع يقول: «السماء منفطر به بذلك اليوم»، ويصرح بأن السماء تذكر وتؤنث؛ أما لفظ «منفطر فيه» فقد وصلنا من نقل الرازي عنه.
الفخر الرازي قرر المعنى بوضوح، فقال في صدر تفسير الآية: إن السماء «على عظمها وقوتها تنفطر فيه»، ثم قال: «ونظيره قوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾»، وبعد ذلك ذكر أن أول أوجه معنى ﴿به﴾: «قال الفراء: المعنى منفطر فيه». وهذا قريب جدًا من استنباطكم، بل مطابق له في الاستشهاد بآية الانفطار.
القرطبي كان أصرح في ترجيحه، فقال: «ومعنى ﴿به﴾ أي فيه؛ أي في ذلك اليوم لهوله»، ثم حكم عليه بقوله: «هذا أحسن ما قيل فيه». وذكر إلى جانبه احتمالات أخرى: أن الباء بمعنى اللام، أو أن السماء مثقلة بذلك اليوم حتى تنفطر.
ابن عاشور اختار هذا التوجيه مباشرة، فقال: «وجملة ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ صفة ثانية، والباء بمعنى "في"»، أي: السماء تنفطر في ذلك اليوم؛ ورأى في ذلك ارتقاءً في تهويل اليوم بعد قوله: ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾.
فهل هذا التفسير قريب؟
هو قريب من جهة المعنى والسياق، وله ثلاثة أمور تقويه:
أولها: أن أقرب مذكور يصلح لعود الضمير في ﴿به﴾ هو اليوم في قوله: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾؛ فتكون الجملتان وصفين لذلك اليوم: يومٌ يشيب فيه الولدان، وتنفطر فيه السماء. وهذا بناء متماسك جدًا.
وثانيها: أن القرآن نفسه صرّح بهذا المعنى في مواضع أخرى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾، و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، و﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾؛ ولذلك كانت ملاحظة الرازي في الاستشهاد بـ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ دقيقة جدًا.
وثالثها: أن مجيء الباء للظرفية، بمعنى «في»، معروف في العربية؛ فلا يوجد مانع لغوي من حملها عليه.
والله أعلم، وهو الموفق للصواب.