(وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ) هل الهاء راجعة على (من) (لَ…
السؤال
(وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ)
هل الهاء راجعة على (من) (لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ). وهل يحتمل أن لا يكون مقلوباً فيوضع (تَنُوءُ) موضع تثقل، ويجعل (الباء) في العصبة معنى (على) فيكون: ما إن مفاتحه لتثقل على العصبة، والله أعلم كيف هو.
الجواب
بسم الله وبه أستعين
نعم، إذا كان مرادكم بـ (من): (ما) في قوله: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾، فالهاء على الإعراب المشهور راجعة إلى «ما» الموصولة؛ لأن «ما» مفعول ثانٍ لـ﴿آتَيْنَاهُ﴾، وجملة ﴿إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ...﴾ صلتها، والهاء في ﴿مَفَاتِحَهُ﴾ هي الرابط العائد على الموصول. فالتقدير: وآتيناه من الكنوز الذي إن مفاتحَه...، أي: مفاتح ذلك المال أو تلك الكنوز. وهذا ظاهر تقرير النحاس والقرطبي وابن عاشور.
وأما ما تفضلتم به في ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾، فالفكرة الأساسية التي ذكرتموها صحيحة جدًا، بل هي من أقوى الأقوال، وأقرب عند الطبري: أن الكلام ليس فيه قلب، وأن المفاتح نفسها هي الفاعل حقيقة؛ أي: من شدة ثقلها تُثقل العصبة وتميلهم. وقد نسب الواحدي هذا المعنى إلى ابن عباس، وشرحه عن الفراء والمبرد؛ فالفراء يقول في معنى نوئها بالعصبة: أن تثقلهم، والمبرد يقول: المعنى أنها «تجعل العصبة تنوء». واختاره النحاس، ورجحه الطبري صراحة. (الموسوعة القرآنية).
والطبري في هذا الموضع دقيق جدًا؛ فقد رجح هذا الوجه على قول أبي عبيدة بالقلب: «لتنوء بها العصبة»، لسببين: أنه موافق لظاهر التنزيل، وأنه أبلغ في الدلالة على كثرة مال قارون؛ فالخبر أن المفاتح نفسها من ثقلها تميل جماعةً من الأقوياء. أما مجرد قولنا إن العصبة تنهض بالمفاتيح فلا يدل بنفس القوة على كثرتها وثقلها.
وأما قولكم «نجعل الباء في العصبة بمعنى على» فيكون: تثقل على العصبة؛ فالمعنى صحيح كتفسير للمراد، لكن من جهة الصناعة النحوية لا يظهر أن هذا هو أحسن تخريج للباء، ولم أجد فيما راجعت من كلام المتقدمين من صرّح هنا بأن الباء بمعنى «على».
بل لهم في التخريج من غير قلب مسلكان قويان:
الفراء والمبرد والنحاس ومن تبعهم: الباء للتعدية، فكأن «ناء به» يعاقب «أناءه»؛ كما تقول: ذهب به وأذهبه، وجاء به وأجاءه. فيكون ﴿تَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ = تُنيء العصبةَ = تثقلهم وتميلهم. وهذا الذي وصفه القرطبي بأنه «أحسن ما قيل فيه».
ابن عاشور سلك مسلكًا ألطف: جعل ﴿تَنُوءُ﴾ بمعنى تثقل، والباء للملابسة؛ أي: تثقل المفاتح مع العصبة الذين يحملونها، مع كونهم جماعة أولي قوة. وردّ القول بالقلب ردّا شديدًا، بقوله: (وأما قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ بِأنَّ تَرْكِيبَ الآيَةِ فِيهِ قَلْبٌ، فَلا يَقْبَلُهُ مَن كانَ لَهُ قَلْبٌ!)
والله أعلم، وهو الموفق للصواب