ماذا يُقال في سُجود التلاوة؟
السؤال
ماذا يُقال في سُجود التلاوة؟
الجواب
يُقال في سُجود التلاوة ما يُشرَع قولُه في سُجودِ الصَّلاةِ من التَّسبيحِ والدُّعاء، وهذا باتِّفاق المذاهب الفِقهيَّة الأربعة: الحنفيَّة، والمالكيَّة، والشَّافعيَّة ، والحنابلة
وذلك لأنَّ الحُكم واحدٌ.
عن عائشةَ رضي اللَّه عنْها قالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ: "سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ".
(رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، ورواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه الألباني).
وفي رواية الحاكم في المستدرك على الصحيحين بزيادة: "فتبارك الله أحسن الخالقين".
وعن عبد الله بن عباس رضى الله عنه جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، رأيتُني اللَّيلةَ وأَنا نائمٌ كأنِّي كنتُ أصلِّي خَلفَ شجرةٍ، فسجَدتُ فسجَدَتِ الشَّجرةُ لسجودي، وسَمِعْتُها وَهيَ تقولُ: "اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وتقبَّلها منِّي كما تقبَّلتَها من عبدِكَ داودَ".
قالَ ابنُ عبَّاسٍ فقرأَ النَّبيُّ ﷺ سجدةً ثمَّ سجَدَ، قالَ ابنُ عبَّاسٍ: فسَمِعْتُهُ وَهوَ يقولُ مثلَ ما أخبرَهُ الرَّجلُ عن قولِ الشَّجرةِ.
(رواه الترمذي وحسنه الألباني).
أما بخصوص قوله تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا * قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 107 - 110].
فقد ذكر بعض المفسرين على أن قولهم هذا: "سبحان ربنا إن كان وعدُ ربنا لمفعولًا" كان في سجودهم، والسياق يحتمله، وقد مدحهم الله تعالى على ذلك، ولم ينكر عليهم هذا القول في السجود؛ بل وصفهم بالعلم وساق سجودهم وتسبيحهم فيه في مقابلة المستكبرين عن الإيمان بأن القرآن الكريم حق من عند الله، مع أن هذا القول في السجود لم يسبق وروده في الشرع، ولو كان غير جائز لنَبَّهَ الشرع على عدم جوازه أو لاكتفى القرآن بذكر أصل التسبيح دون صيغته، فدل ذلك على جوازه، ودل بمعناه على جواز الذكر في السجود بغير المأثور.
قال الجصاص في (أحكام القرآن): "باب ما يقال في السجود: قال الله عز وجل: ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ فمدحهم بهذا القول عند السجود".
وقال الفخر الرازي في تفسيره : "والمعنى: أنهم يقولون في سجودهم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ أي ينزهونه ويعظمونه ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ أي بإنزال القرآن وبعث محمد ﷺ " .
واستنبط القرطبي في (الجامع لأحكام القرآن، 10/ 341، ط. دار الكتب المصرية) أن هذه الآية: "دليل على جواز التسبيح في السجود" اهـ.
ومن ذلك أخذ الإمام الشافعي استحباب هذا القول في سجود التلاوة، مع أن له عنده حكمَ الصلاة؛ في وجوب التطهر له، ومشروعية التكبير قبله وبعده، والتسليم بعده.
قال النووي في (المجموع شرح المهذب): "ونقل الأستاذ إسماعيل الضرير (الحيري) في "تفسيره": أن اختيار الشافعي رحمه الله أن يقول في سجود التلاوة: "سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولًا"، وظاهر القرآن يقتضي مدح هذا؛ فهو حسن" اهـ.
وذكر نحوه في التبيان في آداب حملة القرآن.
ويجوز مع النهي عن قراءة القرآن في السجود لأن هذه ليست مرادة للتلاوة وإنما هي ثناء ودعاء.