كيف نجمع بين حديث عائشة عن عدد أبواب الجنة بعدد آي القرآن، وبين اختلاف عدّ الآي…
السؤال
كيف نجمع بين حديث عائشة عن عدد أبواب الجنة بعدد آي القرآن، وبين اختلاف عدّ الآي لدى الأئمة القرّاء؟
الجواب
الرواية الواردة في ذلك في درج الجنة وليست في أبوابها، وقد ثبت في الصحيحين أن أبواب الجنة ثمانية، وهذا الوارد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت:
«عددُ درَجِ الجنَّةِ عددُ آيِ القرآنِ، فمن دخل الجنَّةَ من أهلِ القرآنِ فليس فوقَه درجةٌ».
قال الحاكم؛ إسناده صحيح، ولم يكتب هذا المتن إلا بهذا الإسناد وهو من الشواذ
والصحيح أن إسناده ضعيف و نحوه عن أم الدرداء الصغرى بإسناد ضعيف أيضاً.
وروى الديلمي في مسند الفردوس من طريق الفيض بن وثيق عن فرات بن سلمان، عن ميمون بن مهران، عن عبد الله بن عباس قال : قال رسول الله ﷺ: "درج الجنة على قدر آي القرآن بكل آية درجة، فتلك ستة آلاف آية ومائتا آية وست عشرة آية" بين كل درجتين مقدار ما بين السماء والأرض" وفيه الفيض قال فيه ابن معين: كذاب خبيث.
وقد خلق الله تعالى الجنة درجات بعضها أعلى من بعض، فهي جنان كثيرة في جنة عظيمة، كما قال ﷺ لأم حارثة: "ويحك، أو هبلت؟ أو جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة وإنه -أي حارثة- في جنة الفردوس".
ويكون الناس في هذه الدرجات بحسب أعمالهم، فكما أن في الأشخاص فاضل ومفضول، وكذا في الأعمال فاضل ومفضول، فكذا الجنة فيها فاضل ومفضول، قال تعالى: {انظر كيف فضّلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} .
فنزول درجات الجنة يكون بحسب الأعمال، وبحسب اختلافها في الكم والكيف والنوع، قال تعالى: {ولكلّ درجات مما عملوا}.
ودرجات الجنة قسمان:
١-درجات كبرى: وهي مائة درجة يكون نيلها بالأعمال الفاضلة الكبرى، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، ..". أخرجه البخاري.
وهذا اللفظ وان كان غير حاصر فقد روي بلفظ: "الجنة مائة درجة بين كل درجتين كما بين السماء والأرض…".
٢-درجات صغرى: وهي أكثر من مائة درجة، وهذه الدرجات الصغرى تكون متخللة للدرجات الكبرى، قال ﷺ: "يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرأها". رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بإسناد حسن.
وهذا يدل على أن درجات الجنة كثيرة، إذ عدد آي القرآن ستة آلاف ومائتان وزيادة حسب السبعة مذاهب، وعدد الآيات فيه كما يلي:
١ - المدني الأول: (٦٢١٧).
٢ - المدني الأخير:(٦٢١٤).
٣ - العدد المكي: (٦٢١٠).
٤ - العدد البصري: (٦٢٠٤).
٥ - العدد الدمشقي:(٦٢٢٧)وقيل (٦٢٢٦).
٦ - العدد الحمصي: (٦٢٣٢).
٧ - العدد الكوفي: (٦٢٣٦).
ومعنى الحديث (اقرأ وارق) أن منزلة حافظ القرآن (وليس القارئ) تكون عند آخر آية قرأها.
وهذه الدرجات ليست محصورة بما ورد في الأحاديث من تعداد ولا بعدد آيات القرآن فقط، بل هي أكثر بكثير ولا يُعلم حصرها إلا الله تعالى.
وقال ﷺ: "صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئه...".
رواه البخاري.
فأفاد أن في الخطوة الواحدة إلى المسجد رفع درجة، ولا يقال أن مائة من هذه الدرجات المذكورة تنال بها درجة الفردوس الأعلى، إذ لو كان كذلك للزم من أول مرة يذهب بها الشخص للمسجد أن يبلغ الفردوس الأعلى بخطواته، ولا قائل بهذا.
وبهذا التقسيم يجمع بين الأحاديث التي تفيد أن الجنة مائة درجة، والأحاديث التي تفيد أنها أكثر من ذلك والله أعلم.
قال الحافظ ابن حجر في قوله: (مائة درجة): "أنه ليس في سياقه التصريح بأن العدد المذكور هو جميع درج الجنة من غير زيادة، إذ ليس فيه ما ينفيها، ويؤيد ذلك أن في الحديث المرفوع :"يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها ".
وقد أفاد الحديثُ الترغيبَ في حفظ القرآن، وتخصيصُ الصَّاحِبِ في الحديث بالحافظ عن ظهر قلب دون التَّالي من المصحف تكريمًا له وتشريفًا.
قال ابن حجر الهيتمي رحمه الله: «الخبر المذكور خاص بمن يحفظه عن ظهر قلب، لا بمن يقرأ بالمصحف؛ لأن مجرد القراءة في الخط لا يختلف الناس فيها ولا يتفاوتون قلَّةً وكثرة، وإنما الذي يتفاوتون فيه كذلك هو الحفظ عن ظهر قلب، فلهذا تفاوتت منازلهم في الجنة بحسب تفاوت حفظهم، ومما يؤيد ذلك أيضًا أنَّ حِفْظَ القرآن عن ظهر قلب فرض كفاية على الأمة، ومجرد القراءة في المصحف من غير حفظٍ لا يسقط بها الطلب، فليس لها كبير فضل كفضل الحفظ، فتعين أنه -أعني: الحفظَ عن ظهر قلب- هو المراد في الخبر، وهذا ظاهر من لفظ الخبر بأدنى تأمُّل، وقول الملائكة له: «اقرأْ وارْقَ» صريح في حفظه عن ظهر قلب كما لا يخفى».