«وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَٰكِنَ…
السؤال
«وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ»
في سورة القصص بعد ذكر قصة موسى عليه السلام والرجل الصالح أبي الامرأتين اللتين سقا لهما موسى، هل في الآية إشارة إلى أنه رسول وهو شعيب عليه السلام إذ كان ثاوياً في أهل مدين؟
الجواب
لقد اختلف المفسرون وأصحاب السير في هذه المسألة؛ فمنهم من يثبت المصاهرة بين الرسولين موسى وشعيب عليهما السلام،
واستدل بعضهم له بأن شعيبًا عليه السلام بعث إلى مدين قال الله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾
ولكن كون الله تعالى بعث شعيبًا إلى أصحاب الأيكة وأصحاب مدين، لا يدل بالضرورة على أنه التقى بموسى عليه السلام، واستأجره عشر سنين، وزوَّجه ابنته، فهذا ما لا دليل عليه في تلك الآية ولا غيرها.
وأقوى الأدلة لهذا القول، حديث: "قيل: يا رسول الله، أي الأجلين قضى موسى؟ قال: "أبرهما وأوفاهما، فلما أراد فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت غنمه" إلى آخر الحديث، ولكنه حديث ضعيف، ولم يجزم بأنه شعيب النبي، ومن المعلوم أن الناس في كل جيل كانوا يكثرون من التسمي بأسماء الأنبياء تيمُّنًا بهم،
وهذا القول هو المشهور عند كثيرين، وممن نص عليه: مجاهد والضحاك والحسن البصري ومالك بن أنس،
وصرح بعضهم أن شعيبًا عليه السلام عاش عمرًا طويلًا بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى عليه السلام وتزوَّج ابنته.
ورده ابن كثير بقوله: "كان شعيب قبل زمان موسى عليه السلام بمدة طويلة؛ لأنه قال لقومه: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 89]، وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل عليه السلام بنص القرآن، وقد عُلم أنه كان بين الخليل وموسى عليه السلام مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة كما ذكره غير واحد".
ومنهم من ينفي ذلك، ويستبعد لقاءهما من الأصل، وهو الراجح.
اختار ذلك ابن تيمية وابن كثير والسعدي وغيرهم كثير وساقوا أدلته.
ومما يقوِّي هذا الرأي قول ابن كثير: "ثم من المقوِّي لكونه ليس بشعيب أنه لو كان إياه لأوشك أن يُنصَّ على اسمه في القرآن ها هنا، وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح بذكره في قصة موسى لم يصح إسناده".
ومما يقوِّي هذا الرأي قول السعدي: "وأيضًا فإن شعيبًا عليه السلام قد أهلك الله قومه بتكذيبهم إياه، ولم يبق إلا مَن آمن به، وقد أعاذ الله المؤمنين أن يرضوا لبنتي نبيهم بمنعهما عن الماء، وصدِّ ماشيتهما، حتى يأتيهما رجل غريب، فيحسن إليهما، ويسقي ماشيتهما، وما كان شعيب ليرضى أن يرعى موسى عنده ويكون خادمًا له وهو أفضل منه وأعلى درجة، والله أعلم، إلا أن يقال: هذا قبل نبوة موسى فلا منافاة، وعلى كل حال لا يعتمد على أنه شعيب النبي بغير نقل صحيح عن النبي ﷺ".
ومما يقوِّي هذا الرأي كون شعيب عليه السلام عربياً وموسى عليه السلام عبرانياً.
أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن عبدالله بن مسعود قال: "كان صاحب موس أثرون ابن أخي شعيب النبي،
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: "الذي استأجر موسى يثري صاحب مدين"، وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عنه قال: "كان اسم ختن موسى يثري".
قال الطبري: "وأما أبوهما ففي اسمه خلاف، فقال بعضهم: كان اسمه يثرون، وعن أبي عبيدة قال: كان الذي استأجر موسى ابن أخي شعيب يثرون، وقال آخرون: بل اسمه يثربى، عن ابن عباس قال: الذي استأجر موسى يثرى صاحب مدين،…قال أبو جعفر: وهذا -يعني كونه شعيبًا عليه السلام- مما لا يدرك علمه إلا بخبر، ولا خبر بذلك تجب حجته.
وقال ابن كثير في تفسيره: "وقال آخرون: بل كان ابن أخي شعيب، وقيل: رجل مؤمن من قوم شعيب، وقال آخرون: كان شعيب قبل زمان موسى عليه السلام بمدة طويلة؛ لأنه قال لقومه: ﴿ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ﴾ [هود: 89]، وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل عليه السلام بنص القرآن، وقد عُلم أنه كان بين الخليل وموسى عليه السلام مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة، كما ذكره غير واحد، وما قيل: إن شعيب عاش مدة طويلة إنما هو والله أعلم احتراز من هذا الإشكال".
قال ابن تيمية:"كما أن الله ذكر في القرآن أنه أهلك أهل مدين بالظلة لما جاءهم شعيب وذكر في القرآن أن موسى أتاها وتزوج ببنت واحد منها فظن بعض الناس أنه شعيب النبي وهذاغلط عند علماء المسلمين مثل ابن عباس والحسن البصري وابن جريج وغيرهم كلهم ذكروا أن الذي صاهره موسى ليس هو شعيبا النبي.
وحكى أنه شعيب عمن لا يعرف من العلماء ولم يثبت عن أحد من الصحابة والتابعين كما بسطناه في موضعه "
الجواب الصحيح 2/249
ولابن تيمية رساله خاصة في المسالة.