نسمع أن القراءات العشر المتواترة من القرآن منسوبة إلى أئمة مخصوصين، كنافع وابن ك…
السؤال
نسمع أن القراءات العشر المتواترة من القرآن منسوبة إلى أئمة مخصوصين، كنافع وابن كثير وأبي عمرو وغيرهم، مع أن المتواتر – فيما علمت – هو ما رواه جمع عن جمع في كل طبقة حتى يستحيل تواطؤهم على الكذب. فكيف يُقال إن القراءات متواترة مع أنها تُروى عن إمام واحد في ظاهر الإسناد؟
وهل التواتر هنا يُراد به التواتر الاصطلاحي في علم الحديث، أم أن له معنى آخر في علم القراءات؟
وما وجه نسبة القراءة إلى إمام واحد مع أن القراء في عصره كانوا كثيرين يقرؤون مثل قراءته؟
الجواب
جماهير أهل العلم من القراء والأصوليين وغيرهم على أن القراءات العشر متواترة إلى النبي ﷺ ، وحكي عليه الإجماع.
وخالف في ذلك قليل من العلماء.
والقول الذي لا يجوز غيره في ذلك قول عامة العلماء.
" قال التاج السبكي:
"القراءات السبع التي اقتصر عليها الشاطبي، والثلاثة التي هي قراءة أبي جعفر وقراءة يعقوب وقراءة خلف، متواترة معلوم من الدين بالضرورة أنه منزل على رسول الله ﷺ، لا يكابر في شيء من ذلك إلا جاهل، وليس تواتر شيء منها مقصورا على من قرأ بالروايات، بل هي متواترة عند كل مسلم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ﷺ، ولو كان مع ذلك عاميا جلفا لا يحفظ من القرآن حرفا".
قال: "ولهذا تقرير طويل وبرهان عريض لا تسعه هذه الورقة، وحظ كل مسلم وحقه أن يدين لله تعالى وتجزم نفسه بأن ما ذكرناه متواتر معلوم باليقين، لا تتطرق الظنون ولا الارتياب إلى شيء منه".
والحاصل: أن السبع متواترة اتفاقا، وكذا الثلاثة: أبو جعفر ويعقوب وخلف، على الأصح، بل الصحيح المختار وهو الذي تلقيناه عن عامة شيوخنا وأخذنا به عنهم، وبه نأخذ: أن الأربعة بعدها: ابن محيصن واليزيدي والحسن والأعمش، شاذة اتفاقا".
"إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر" (ص 9) .
وقال النووي رحمه الله:
"وكل واحدة من السبع متواترة ، هذا هو الصواب الذي لا يعدل عنه ، ومن قال غيره فغالط أو جاهل""المجموع" (3 /392) .
وأما الشبهة التي ذكرها من أنكره فهذه شبهة قديمة، قد أجاب عنها كثيرر من علماء القراءات والأصوليين؛ بأن الأئمة المصنفون الذين عليهم مدار هذه القراءات، وإليهم ترجع أسانيدها: لم يكونوا هم الذين ضبطوا هذه القراءات وجمعوها وحدهم، بل تواترها حاصل في زمانهم، وحاصل بعد زمانهم أيضا، بمن شاركهم، وشارك الآخذين عنهم، في العلم بهذه القراءات وضبطها.
فانحصار الأسانيد في طائفة لا يمنع مجيء القراءات عن أمة غيرهم، وإنما نسبت القراءات إليهم لتصديهم لضبط الحروف وحفظ شيوخهم فيها، ومع كل واحد منهم في طبقته ما يبلغها عدد التواتر.
"إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر" (ص 9) .
و"شرح الكوكب المنير" (2 /127-128) وغيره كثيرون ذكروا هذا الجواب.
وأما ما يثيره بعضهم من أن مصطلح متواترة لم يظهر قبل ابن مجاهد الذي سبع السبعة ؟
فالجواب عنه:
أن التواتر معناه إفادة العلم اليقيني المقطوع به دون الظني، وقد حصل العلم اليقيني بصحة القراءات السبع، ونقلها على صفة التواتر الذي يفيد العلم اليقيني بمضمونها ؛ وهذا هو المطلوب، بغض النظر عما إذا كان الاسم معروفا في هذا الزمان، أو لم يكن معروفا؛ فهذه مسألة فنية اصطلاحية، تتعلق بالتصنيف في العلوم ومدارستها، فما زالت العرب تنطق المبتدأ مرفوعا، والمفعول به منصوبا، والمضاف إليه مجرورا، وهكذا؛
ولو بعث أهل الجاهلية الآن ما عرف واحد منهم: ما المبتدأ، وما الخبر، بل ما عرف منهم أحد ما علم النحو الذي يتحدث عنه، وبه، الناس.
وهكذا في علم الحديث، وعلم أصول الفقه، وغيرها من العلوم.
فتأخر ظهور المصطلح الخاص بعلم معين، لا يعني أن مضمونه لم يكن معروفا من قبل عند أهل هذا الشأن.
وأما أن مضمونه لم يكن معروفا عند غير أهل الفن ، أو لم يكن شائعا بصورة عامة؛ فهذا لا يقدح في وجود المضمون، ولا ثبوت المسألة العلمية.
قال الإمام شمس الدين الذهبي رحمه الله:
"ليس من شرط التواتر أن يصل إلى كل الأمة، فعند القراء أشياء متواترة دون غيرهم، وعند الفقهاء مسائل متواترة عن أئمتهم لا يدريها القراء، وعند المحدثين أحاديث متواترة قد لا يكون سمعها الفقهاء، أو أفادتهم ظنا فقط، وعند النحاة مسائل قطعية، وكذلك اللغويون"
"سير أعلام النبلاء" (10 /171) .
والجدال في الألفاظ بعد معرفة المعاني الصحيحة من أسباب إثارة الشبهات والضلال والغلط.
من البحوث المتميزة في تواتر القراءات العشر:
- التواتر في القراءات القرآنية وما أثير حوله من شبهات، للدكتور حسن هبشان.