تصفّح

من مبادرات

«الاستشارات القرآنية» مبادرة من مركز تفسير للدراسات القرآنية، تُعنى باستقبال الأسئلة والاستشارات المتعلقة بالقرآن الكريم وعلومه، والإجابة عنها من قِبل نخبة من المتخصصين في الدراسات القرآنية.

هل يصح الاستدلال بالآية؟ مثلا لو أن رجلا بينه وبين رجل أمرا ثم تمّ الأمر أن يستد…

السؤال

هل يصح الاستدلال بالآية؟
مثلا لو أن رجلا بينه وبين رجل أمرا ثم تمّ الأمر أن يستدل بآية (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان)؟

الجواب

الاقتباس: تضمين المتكلم كلامه -شعراً كان أو نثراً- شيئاً من القرآن، أو الحديث، على وجه لا يكون فيه إشعار بأنه من القرآن أو الحديث.

‏والظاهر أن حكم التمثل بالقرآن والاقتباس منه يختلف باختلاف الأحوال وأصولها ثلاثة:

‏1)الجواز: إذا استعمل المثل في مضربه، أي" ما لم ينقل فيه المقتبَس (بفتح الباء) عن معناه الأصلي، لا سيما في النثر كقوله تعالى (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم). فيما يكرهه.
‏ومنه في الشعر مثلا قول الشاعر:
‏قد كان ما خفت أن يكونا إنا إلى الله راجعونا
‏وهذا من الاقتباس الذي فيه تغيير في اللفظ يسير؛ لأن الآية (وإنا إليه راجعون).
‏وكذلك إذا ثبت في السنة كما في حديث أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ: "إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض"، والظاهر أن الحديث حسن.
‏وما ورد عنه ﷺ من قوله في الصلاة وغيرها: (وجهت وجهي ... إلخ)، وقوله: (اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا اقض عني الدين وأغنني من الفقر).
‏وفي سياق كلام لأبي بكر ..." وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون".
‏وفي حديث لابن عمر ..."لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " .
‏والظاهر في تخريج غالبها الاستدلال وهو غير الاقتباس.
‏قال ابن عثيمين: أما من استشهد بآية على واقعة جرت وحدثت : فهذا لا بأس به ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشهد بالآيات على الوقائع ، فاستشهد بقوله تعالى : (إنما أموالكم وأولادكم فتنوا) حينما جاء الحسن والحسين يتعثران في أثوابهما ، فنزل من المنبر ﷺ، فالاستشهاد بالآيات على الوقائع : لا بأس به ،

‏وقال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: لا بأس بالتمثل بالقرآن الكريم إذا كان لغرض صحيح ، كأن يقول : هذا الشيء لا يُسمن ، ولا يُغني من جوع ، أو يقول : ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ) إذا أراد التذكير بحالة الإنسان مع الأرض ، وأنه خلق منها ، ويعود إليها بعد الموت ثم يبعثه الله منها ،

والجائز من التمثل بالقرآن والاقتباس منه أقل شيء.

2)الكراهة : إذا استعمل المثل في أمر ليس هو مورده ، " أي ما نقل فيه المقتبَس عن معناه الأصلي " ولكن في مقام الجد لا الاستهزاء،
‏كقوله عندما يُخاصم (لنا أعمالنا ولكم أعمالكم).
‏وقد تشتد الكراهة فيما لو قال في هذا المقام مثلا: (لكم دينكم ولي دين).
‏ومنه في الشعر مثلا قول ابن الرومي :
‏لئن أخطأتُ في مدح ك ما أخطأتَ في منعي
‏لقد أنزلتُ حاجاتي "وادٍ غير ذي زرع"
‏فقوله "بواد غير ذي زرع": اقتباس من القرآن الكريم ، فهي وردت في القرآن الكريم بمعنى "مكة المكرمة" ، إذ لا ماء فيها ولا نبات ، فنقله الشاعر عن هذا المعنى الحقيقي إلى معنى مجازي ، هو : "لا نفع فيه ولا خير " ..

تابع

وسئل علماء اللجنة الدائمة : ما حكم تأول القرآن عندما يعرض لأحد منَّا شيءٌ من أمور الدنيا ، كقول أحدنا عندما يحصل عليه شدة ، أو ضيق : ( تؤزهم أزاً )
‏عندما يلاقي صاحبه : ( جئت على قدر يا موسى …
‏فأجابوا : " الخير في ترك استعمال هذه الكلمات وأمثالها فيما ذكر ؛ تنزيهاً للقرآن ، وصيانة له عما لا يليق.
‏وبالله التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم " انتهى .
‏الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ عبد الله بن قعود .
‏" فتاوى اللجنة الدائمة "  

‏والظاهر أنه في الشعر في كل أحواله أكره منه في النثر لأمرين:
‏النصوص في ذم الشعر. والنصوص في نفيه عن النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم.
‏وأنه في المزاح أقرب للكراهة ومن الأوصاف المقيدة للجواز في المزاح أن لا يقصد الآية :
‏سئل علماء اللجنة الدائمة عن : استعمال بعض آيات القرآن في المزاح ما بين الأصدقاء ، مثال : ( خذوه فغلوه ) ….. هل يجوز استعمال هذه الآيات في المزاح ما بين الأصدقاء ؟ .
‏فأجابوا : " لا يجوز استعمال آيات القرآن في المزاح على أنها آيات من القرآن ، أما إذا كانت هناك كلمات دارجة على اللسان لا يقصد بها حكاية آية من القرآن أو جملة منه : فيجوز.
‏وبالله التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم " انتهى .
‏الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي .
‏" فتاوى اللجنة الدائمة "

‏ 3)التحريم: وهو على ضربين .
‏أحدهما : اقتباس ما نَسبه الله إلى نفسه ، بأن ينسبه المقتبِس إلى نفسه ، كما قيل عمن وقع على شكوى بقوله : " إن إلينا إيابهم ، ثم إن علينا حسابهم " !! .

‏والآخر : تضمين آية في معنى هزل ، أو مجون ، وبغرض الإضحاك، وكلام المبتدعة ، وأهل المجون ، والفحش .
‏فهذا يكون حراماً وقد يكون كفراً.

‏قال ابن عقيل الحنبلي رحمه الله : تضمين القرآن كلاما فاسدا : لا يجوز .

‏وقد اشتهر عند المالكية تحريم الاقتباس، وتشديد النكير على فاعله ، فعليه يحمل ذلك.

وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله - : كثيراً ما يتناقل بعض الناس أثناء الحديث على ألسنتهم آيات من القرآن الكريم ، أو من السنَّة على سبيل المزاح ، مثاله : كأن يقول بعضهم : فلان ( نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ) الشمس/13 ، أو قول بعضهم للبعض : ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) الكافرون/ 6 ، واليوم رأينا نون وما يعلمون ، وهكذا ، ومن السنَّة : كأن يقول أحدهم إذا ذُكّر ونُصح بترك المعصية : يا أخي ( التقوى هاهنا ) ، أو قوله : ( إن الدين يسر ) وهكذا .
‏فما قولكم في أمثال هؤلاء ؟ وما نصيحتكم لهم ؟ .
‏فأجاب : " أما من قال هذا على سبيل الاستهزاء والسخرية : فإنه على خطر عظيم ، وقد يقال إنه خرج من الإسلام ؛ لأن القرآن لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يُتخذ هزواً ، وكذلك الأحكام الشرعية ، كما قال الله تبارك وتعالى : ( يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ . وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ) التوبة/64 – 66 .
‏ولهذا قال العلماء رحمهم الله : من قال كلمة الكفر ولو مازحاً : فإنه يكفر ، ويجب عليه أن يتوب ، وأن يعتقد أنه تاب من الردة ، فيجدد إسلامه ، فآيات الله عز وجل ورسوله أعظم من أن تتخذ هزواً أو مزحاً .
‏أما من استشهد بآية على واقعة جرت وحدثت : فهذا لا بأس به ،وأما أن تنزّل الآيات على ما لم يُرد الله بها - ولاسيما إن قارن ذلك سخرية واستهزاء - : فالأمر خطير جدّاً " انتهى .

‏وقال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان :
‏التمثل بالقرآن الكريم إذا لم يكن على وجه السخرية والاستهزاء : لا بأس به ، أما إذا كان على وجه السخرية والاستهزاء : فهذا يعتبر ردة عن الإسلام ؛ لأن من استهزأ بالقرآن الكريم أو بشيء من ذكر الله عز وجل ، وهزل بشيء من ذلك : فإنه يرتد عن دين الإسلام ، كما قال تعالى : ( قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ . لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) التوبة/65 ، 66 ، فيجب تعظيم القرآن واحترامه " انتهى .

تابع

والأصل العام في مثل ذلك : وجوب تناسب السياق والمقام ، بوجه من وجوه المناسبات والدلالات اللغوية المعتبرة ، مع ما اقتبس من آيات القرآن .
‏قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
‏" وَلَيْسَ لأحد اسْتِعْمَال القرآن لغير مَا أنزله الله لَهُ ؛ وَبِذَلِك فسر الْعلمَاء الحَدِيث المأثور : ( لَا يُناظر بِكِتَاب الله ) أَي : لَا يُجْعَل لَهُ نَظِير يذكر مَعَه ، كَقَوْل القائل لمن قدم لحَاجَة : لقد جِئْت عَلى قدر يَا مُوسَى ، وَقَوله عِنْد الْخُصُومَة : مَتى هَذَا الْوَعْد ، وَالله يشْهد إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ .
‏ثمَّ إِن خرجه مخرج الاستخفاف بِالْقُرْآنِ والاستهزاء بِهِ : كفر صَاحبه !!
‏وَأما إِن تَلا الْآيَة عِنْد الحكم الَّذِي أنزلت لَهُ ، أَو يُنَاسِبه من الْأَحْكَام : فَحسن ؛ وَمن هَذَا الْبَاب: مَا يبنه الْفُقَهَاء من الْأَحْكَام الثَّابِتَة بِالْقِيَاسِ ، وَمَا يتَكَلَّم فِيهِ الْمَشَايِخ والوعاظ " .
‏انتهى من "مختصر الفتاوى المصرية" (172) .

‏وقد ألف فيه السيوطي رسالة بعنوان : " رفع الباس وكشف الالتباس في ضرب المثل من القرآن والاقتباس " وهي في " الحاوي للفتاوي " (1/305).

‏ومن أفضل ما كتب فيه وأشمله كتاب " الاقتباس أنواعه وأحكامه " للدكتور عبد المحسن بن عبد العزيز العسكر .
‏والله أعلم .
‏رابط:
‏⁦elibrary.mediu.edu.my/books/DRM2538.…⁩

تابع القراءة

اسأل المستشار الآلي

أهلًا بك. اكتب سؤالك، وأنقل لك جوابَ من أجاب عن مثله من المستشارين بنصّه.