في قوله تعالى: «صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَل…
السؤال
في قوله تعالى:
«صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ»
هل الوقف على لفظ (عليهم)
والبدء بلفظ(غير) لا ينبغي على رواية حفص؟
الجواب
لا حرج في الوقف على قوله تعالى {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} والابتداء بما بعدها {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}.
وقد اتفق علماء العدد المعتبرين على أن سورة الفاتحة سبع آيات.
لكن اختلفت مصاحف الأمصار وعلماء عَدّ الآي في رؤوس الآيات في سورة الفاتحة:
فالكوفي والمكي: يعدون (بسم الله الرحمن الرحيم) آية، ويجعلون (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) آية واحدة .
و المذهب الكوفي، هو المعتمد في عد آي مصحف حفص عن عاصم، وعليه فإن هذه الكلمة ليست رأس آية، لأن الآية الأخيرة طويلة تبدأ من {صِرَاطَ الَّذِينَ...} إلى نهاية السورة.
وأما غيرهما من علماء العدد، وهم علماء العد المدني الأول والمدني الأخير، والعد البصري، والعد الدمشقي (الشامي)، والعد الحمصي.
فلا يعدون البسملة آية ولكن يعدون كلمة عليهم الأولى في الفاتحة في قوله تعالى (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) رأس آية، وبناء عليه يبتدئون ب (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) لأنها عندهم آية أخرى.
وبناءً على هذا العد، فإن الوقف هنا سُنّة ثابتة عن النبي ﷺ الذي كان يقطع قراءته آية آية.
ومع ذلك، فالوقف عليها في قراءة الكوفي والمكي وقف جائز وحسن لأن المعنى مفهوم، والابتداء بكلمة {غَيْرِ} صحيح وسائغ.
ولكن الأولى وصلها بما بعدها لمن لديه سعة في النَّفَس، للارتباط اللفظي والمعنوي؛ فكلمة {غَيْرِ} مجرورة إما على النعت (الصفة) ل {الَّذِينَ} وإما على البدلية منه، والتابع والمتبوع كالجملة الواحدة، كما أن الوصل يُبرز التقسيم لأصناف الخلق الثلاثة (المنعم عليهم، والمغضوب عليهم، والضالين) في نَفَس واحد متصل.
قال ابن الأنباري(ت: 328هـ) في إيضاح الوقف والابتداء:
"والوقف على (عليهم) حسن وليس بتام، لأن قوله {غير المغضوب} خفض على النعت لـ (الذين).
وقال الفراء: يجوز أن تخفضه على أن تكر «الصراط» عليه كأنك قلت: «اهدنا الصراط المستقيم صراط غير المغضوب عليهم»، فعلى هذا المذهب أيضًا لا يتم الوقف على (عليهم)…
وقال أبو عمرو الداني (ت:444هـ) في المكتفى: "وعلى {أنعمت عليهم} حسن، وليس بتام ولا كاف.…"
وإنما وصفه الداني بأنه "وقف حسن وليس بتام" لتعلقه الإعرابي.
و لم يضع السجاوندي في «علل الوقوف» علامة وقف عليها اِتباعاً لعَدّ الكوفيين مع إجازته لمن يراها رأس آية.
وبين الأشموني في «منار الهدى» أنه وقف حسن.
والخلاصة أن: مَن عدّها رأس آية فالوقف عنده سُنّة، ومَن لم يعدّها رأس آية فالوقف عنده حسن لتمام الفائدة والوصل أولى وأكمل.
وأما قاعدة علم الوقف: "لا يجوز فصل التابع عن متبوعه" فليست مطلقةً، بل هي قاعدة أغلبية (أكثرية) تخضع لعدة مستثنيات واعتبارات تجويدية ولغوية، أهمها:
١-(رؤوس الآي) فإذا كان التابع (كالنعت، أو المعطوف، أو البدل) قد وقع في أول آية جديدة، والمتبوع في نهاية الآية السابقة، جاز الوقف على المتبوع والابتداء بالتابع دون كراهة. وأمثلته كثيرة، ومنها في سورة الفاتحة: الوقف على قوله تعالى {الرحمن الرحيم} والابتداء بـ {مالك يوم الدين}، و (مالِكِ) نعت لله عز وجل، ومع ذلك جاز الابتداء لأنها رأس آية.
٢-طول الآية وانقطاع النفس (الوقف الاضطراري) كما في هذه الاية لاسيما مع المد اللازم.
٣-نوع التابع وقوة ارتباطه بالمعنى
فالعطف بالواو: يُغتفر فيه الفصل كثيراً؛ بخلاف النعت والبدل والمؤكِّد: فالفصل فيها أشد قُبحاً (إذا كان ليس رأس آية)
وأما منع البدء بلفظ مجرور، فليس على إطلاقه، والأصل الجواز، و يوجد في القرآن الكريم آيات بدئت بالجار والمجرور كالخبر المقدم (مثل: {لِلَّهِ الْأَمْرُ}.
وكثيراً ما يقع الابتداء به بعد واو القسم مثل قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾.
وإنما يمنع الابتداء بالجار والمجرور إذا كان متعلقاً بما قبله تعلقاً لفظياً ومعنوياً وثيقاً بحيث لو ابتدأت به لأدى ذلك إلى فصل العامل عن معموله أو إفساد المعنى، مثل أن يكون الجار والمجرور خبراً لمبتدأ قبله أو صفة لموصوف قبله ولم يتم المعنى دونه.
ومن الممنوع الوقف على حرف الجر والابتداء بمجروره (كالوقف على "في") ( والاستئناف ب " قلوبهم" ).
ويكره البدء بالتابع المجرور (كالنعت أو المضاف إليه) إذا فُصل عن متبوعه دون إعادتها، وتزول الكراهة في هذا الموضع من الفاتحة لتمام المعنى والفائدة عند الوقف، ولثبوتها رأس آية في المذاهب الأخرى.