تصفّح

من مبادرات

«الاستشارات القرآنية» مبادرة من مركز تفسير للدراسات القرآنية، تُعنى باستقبال الأسئلة والاستشارات المتعلقة بالقرآن الكريم وعلومه، والإجابة عنها من قِبل نخبة من المتخصصين في الدراسات القرآنية.

هل للمدود والغنن حد؟ وهل إذا زيد فيها عن ما هو متعارف عليه ومثبت عند أهل التجويد…

السؤال

هل للمدود والغنن حد؟
وهل إذا زيد فيها عن ما هو متعارف عليه ومثبت عند أهل التجويد والتلاوة تبطل الصلاة؟ وهل يترخص في ذلك خارج الصلاة ويشدد عليه داخلها أم أن الأمر سيان؟

الجواب

قال د/ عبد المحسن القاسم:
‏"من رحمة اللَّه تعالى أن أنزل علينا كتاباً عربيّاً، وجعله ميسَّراً في القراءة والعمل به؛ قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾.
‏وقد أعرض بعض الناس عن اليُسر الذي كان عليه النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون وعامة الصحابة رضي اللَّه عنهم في قراءة كتاب اللَّه، واستبدلوه بتعسير قراءته وتعلُّمِه بمشقة تضادُّ حكمة اللَّه في تيسيره.
‏وتجويد القرآن لا ينافي اليُسر؛ وإنما المذموم التكلُّف فيه؛ وقد جمعت الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال العلماء على اليسر في قراءة القرآن الكريم والتحذير من التكلف فيها، ولأهمية هذا المبحث أفردته من كتابنا: «أَسهَلُ طَرِيقَةٍ لِحِفظِ القُرآنِ الكَرِيمِ، وَطَلَبِ العِلمِ الشَّرعِي».
‏والمخارج والصفات ومقادير المدود والغنن وغيرها منقولة بالسماع من الأشياخ المتقنين
‏ومكتوبة في الكتب الكثيرة في التجويد.👇🏼

قراءة القرآن مجوداً هو الأصل، والمذموم هو التكلف في إقامة الحروف، والمبالغة في ذلك، وانتقاد أو احتقار من لم يوافقهم من قُرَّاء القرآن وحفظته؛ وتصعيب القراءة على عموم المسلمين وطلاب العلم حتى ييأسوا من الإتقان المزعوم،
‏وهذا من التنطع والتكلف المذموم شرعًا، وقد قال رسول الله ﷺ: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثاً. رواه مسلم.
‏وقال رسول الله ﷺ: «ان من إجلال الله تعالى: إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط». حسنه الألباني.

‏ويدخل في "الغالي فيه": المجاوِز فيه الحد لفظاً ومعنى.
‏وجاء في السنة التخفيف في المطالبة بالدقة البالغة لأحكام التجويد خاصة للعامة:

‏فعن جابر قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نقرأ القران وفينا الأعرابي والأعجمي فقال: «اقرؤا فكل حسن، وسيجيء أقوام يقيمونه كما يقام القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه».

‏ وعن سهل بن سعد قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يوما ونحن نقترئ فقال: «الحمد لله كتاب الله واحد وفيكم الأحمر وفيكم الأبيض وفيكم الأسود اقرؤه قبل أن يقرأه أقوام يقيمونه كما يقوم السهم يتعجل أجره ولا يتأجله».

‏فقوله: «اقرؤا فكل حسن» : أي فكل واحدة من قراءتكم حسنة مرجوة للثواب، ولا عليكم ألا تقيموا ألسنتكم إقامة القدح وهو السهم قبل أن يراش «وسيجيء أقوام يقيمونه» : أي يصلحون ألفاظه وكلماته ويتكلفون في مراعاة مخارجه وصفاته (كما يقام القدح) : أي يبالغون في عمل القراءة.

‏قال الطيبي: «وفي الحديث رفع الحرج وبناء الأمر على المساهلة في الظاهر، وتحري الحسبة والإخلاص في العمل، والتفكر في معاني القرآن»

‏وهذا يعطي سعة في عدم التعمق في إتقان التجويد، والتساهل في ذلك ما دامت أصول القواعد ظاهرة وذلك مثل وجود الحد الأدنى من المدود الفرعية فيغض النظر عن توفر الكمال فيها،

‏وجاء رجل إلى نافع فقال:
‏تأخذ عليّ الحدر، فقال نافع: ما الحدر؟
ما أعرفها، أسمعنا. قال: فقرأ الرجل، فقال نافع: الحدر، أو قال حدرنا، ألا نسقط الإعراب، ولا ننفي الحروف، ولا نخفف مشدداً، «ولا نشدد مخففاً» ، ولا نقصر ممدوداً، ولا نمد مقصوراً، قراءتنا قراءة أكابر أصحاب رسول الله ﷺ سهل جزل، لا نمضغ، ولا نلوك.

‏وقد أشار إلى بعض ذلك الإمام ابن الجزري بقوله:
‏مكملا من غير ما تكلف،
‏باللطف في النطق بلا تعسف.

‏والسخاوي بقوله:

‏لا تحسب التجويد مدًا مفرطا
‏ أو مد ما لا مد فيه لوان

‏أو أن تشدد بعد مدّ همزة
‏ أو أن تلوك الحرف كالسكران

‏أو أن تفوه بهمزة متهوعا
‏ فيفر سامعها من الغثيان

‏للحرف ميزان فلا تك طاغيًا
‏فيه ولا تك مخسر الميزان

‏وقد حذر العلماء من ذلك قديمًا وحديثًا...
‏قال أبو شامة المقدسي: "لم يبق لمعظم من يطلب القرآن العزيز هِمَّة إلَّا في قوة حفظه، وتحرير النطق بألفاظه، والبحث عن مخارج حروفه، وكل ذلك وإن كان حسنًا ولكن فوقه ما هو أهم وأتم وأولى وأحرى، وهو فهم معانيه، والتفكر فيه، والعمل بمقتضاه، والوقوف عند حدوده، وثمرة خشية الله تعالى من حسن تلاوته". "المرشد الوجيز".
‏ونحوه قال ابن الجوزي في "تلبيس إبليس"
‏والمطلوب من قارئ القرآن هو أن يرتله فيبين حروفه، ويتمهل، ولا يعجل في قراءته؛ لقول الله تعالى: (ورتّل القُرآنَ تَرتِيْلاً).

تابع القراءة

اسأل المستشار الآلي

أهلًا بك. اكتب سؤالك، وأنقل لك جوابَ من أجاب عن مثله من المستشارين بنصّه.