تصفّح

من مبادرات

«الاستشارات القرآنية» مبادرة من مركز تفسير للدراسات القرآنية، تُعنى باستقبال الأسئلة والاستشارات المتعلقة بالقرآن الكريم وعلومه، والإجابة عنها من قِبل نخبة من المتخصصين في الدراسات القرآنية.

{إن كنا عن دراستهم لغافلين} {أاعجمي وعربي} {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} ك…

السؤال

{إن كنا عن دراستهم لغافلين} {أاعجمي وعربي} {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} كيف نفهم هذه الآيات مع أن القرآن عربي ومأمور باتباعه العجم؟

الجواب

إن كان المقصود لماذا خصَّ الله العربَ بأن نزَّل القرآنُ بلسانهم مع أنه للناس كافَّةً؟!
‏فالجواب لأن النبي الذي نزَل عليه القرآن ﷺ عربيٌّ، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: 4].
‏وفي اللغة العربية مِن مُقوِّمات البقاء ما يجعلها أبقى اللغات السامية، فناسَبَ أن ينزلَ بها الكتابُ الباقي الخاتم.
‏وهي أوسع اللغات السامية، فهي تتميز بثرائها المعجمي، ودقة نظامها النحوي والصرفي، والقدرة العالية على الاشتقاق والإيجاز.
‏ومن خصائصها: الإعراب الذي يحدد وظائف الكلمات، والاشتقاق لتوليد المفردات، وكثرة المترادفات والأضداد، وقدرتها الفائقة على التعبير والتصوير البلاغي. 

‏لهذه الأسباب وغيرِها -وهي كثيرة- نزل القرآنُ بلغتهم وقد كانوا يتميزون بالفصاحة، فجعل الله تعالى آية النبي ﷺ من جنس ما يتميز به قومه، ليقع الإعجاز والتحدي موقعه ، كما حصل في آية موسى عليه السلام " العصا " ليقبل ما جاء به السحرة من خداع ، وكما في آية عيسى عليه السلام " إبراء الأكمه والأبرص " حيث كان الطب منتشراً في زمانهم.

‏عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: «ما مِنَ الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثلُه آمنَ عليه البشر، وإنما كان الذي أُوتيتُ وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعًا يوم القيامة». متفق عليه.

‏وأما كيف كان القرآن معجزاً في حق غيرهم، ففيه وجوه كثيرة منها:

‏١-أنه ليس كل العرب على علم باللغة العربية وفصاحتها وبلاغتها ، كما لم يكن كل العجم على جهل باللغة العربية ، فيُعلم بذلك أن الإعجاز والتحدي هو للعالم منهم باللغة العربية ، سواء كان يعلمها من الأصل كالعرب ، أو تعلمها فيما بعد كالعجم ، وبه يتبين أن حال العجم هو كحال العرب الجاهلين بلغتهم .

‏٢- أن الإعجاز في كتاب الله تعالى ليس في لفظه فقط، بل في المعاني وترتيبها وطريقة عرضها، فالإعجاز والتحدي للعرب ولغيرهم: في عدم قدرة أحد من أي أهل لسان كان أن يأتي بكلام يشبه ذلك بأي لغة.
‏قال الجصاص: "قوله تعالى (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن) الآية فيه الدلالة على إعجاز القرآن، فمن الناس من يقول: إعجازه في النظم على حياله، وفي المعاني وترتيبها على حياله، ويستدل على ذلك : بتحديه في هذه الآية العرب والعجم، والجن والإنس، ومعلوم أن العجم لا يُتحدون من طريق النظم، فوجب أن يكون التحدي لهم من جهة المعاني وترتيبها على هذا النظام، دون نظم الألفاظ.
‏ومنهم من يأبى أن يكون إعجازه إلا من جهة نظم الألفاظ ، والبلاغة في العبارة ، فإنه يقول: إن إعجاز القرآن من وجوه كثيرة منها: حسن النظم ، وجودة البلاغة في اللفظ والاختصار، وجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرة، مع تعريه من أن يكون فيه لفظ مسخوط ومعنى مدخول، ولا تناقض ولا اختلاف تضاد، وجميعه في هذه الوجوه جار على منهاج واحد، وكلام العباد لا يخلو -إذا طال-من أن يكون فيه الألفاظ الساقطة، والمعاني الفاسدة والتناقض في المعاني، وهذه المعاني التي ذكرنا من عيوب الكلام: موجودة في كلام الناس من أهل سائر اللغات، لا يختص باللغة العربية دون غيرها، فجائز أن يكون التحدي واقعاً للعجم بمثل هذه المعاني: في الإتيان بها عارية مما يعيبها ويهجنها من الوجوه التي ذكرناها، ومن جهة أن الفصاحة لا تختص بها لغة العرب دون سائر اللغات وإن كانت لغة العرب أفصحها وقد علمنا أن القرآن في أعلى طبقات البلاغة فجائز أن يكون التحدي للعجم واقعًا بأن يأتوا بكلام في أعلى طبقات البلاغة بلغتهم التي يتكلمون بها".

قال تعالى ﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ‏[سورة الأنعام: 155]
‏ثم قال ‏﴿أَن تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ ‏[سورة الأنعام: 156]
‏ومعناها:
‏وأنزلنا هذا القرآن؛ لئلا تقولوا -يا كفار العرب-: إنما أُنزل الله تعالى التوراة والإنجيل من السماء على اليهود والنصارى من قبلنا، ولم يُنزل علينا كتابًا، وقد كنا عن قراءة كتبهم في شغل، ونحن ليس لنا بها علم ولا معرفة لأنها بلُغتهم، وليست بلُغتنا…
‏فهذه آية لقطع حجة كفار العرب ولا تقتضي صحة حجتهم لغير العرب في القرآن الكريم.

‏فأي أمة (ولو غير عربية) إذا وصلها الإسلام أو معاني القرآن الكريم، فقد قامت عليها الحجة، ولا عذر لها بالجهل.

‏وغير الناطقين بالعربية يكفي في قيام الحجة عليهم معرفة معاني الكتاب، والآيات المتعلقة بذلك واضحة المعنى لا تحتاج لتعلم اللغة لمعرفتها.

‏والعلوم تترجم إلى كل اللغات ولا يحتاج دارسوها معرفة اللغة الأصلية التي دونت بها، ومع ذلك فكل قوم يدرسونها بلغتهم.

‏والقرآن الكريم كتاب عالمي والإسلام هو الدين العالمي الذي لا يقبل من بشر سواه.

‏وقد وصف الله نبيه الكريم ﷺ بأنه رحمة ورسول لجميع الخلق، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وقال: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158].

‏والإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله تعالى وأنزله على جميع الأنبياء والمرسلين، وأصله التوحيد دين كل الرسل واتفقت عليه الكتب التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله المنزلة فهي لم تدْع الناس لعبادة غير الله تعالى أو أن يُشرك في عبادته أحد.

تابع القراءة

اسأل المستشار الآلي

أهلًا بك. اكتب سؤالك، وأنقل لك جوابَ من أجاب عن مثله من المستشارين بنصّه.