إشارة إلى ما ذكر في القرآن الكريم مع كلمة (أنزل) وجدت صنفين لم أفهم وجه ذكر الإن…
السؤال
إشارة إلى ما ذكر في القرآن الكريم مع كلمة (أنزل) وجدت صنفين لم أفهم وجه ذكر الإنزال معهما وهما الحديد والأنعام!
الجواب
اختلف المفسرون في معنى إنزال الأنعام المذكور في الآية الكريمة على عدة أقوال:
١-فذهب كثير منهم إلى أن المعنى: خلق، واقتصر بعض المفسرين على هذا القول، كابن كثير، وابن الجوزي.
وفسر الطبري (أنزل) بـ(جعل) ولم يذكر غيره.
٢-وذهب آخرون منهم ابن جزي إلى أن المعنى: قضى وقَدَّر، قالوا: "لأن قضاء الله وتقديره وحكمه موصوف بالنزول من السماء، لأجل أنه كتب في اللوح المحفوظ كل كائن يكون". فالإنزال عبارة عن نزول أمره وقضائه.
٣-وجمع السعدي بين هذين القولين فقال: "أي: خلقها بقدَرٍ نازل منه، رحمة بكم".
٤-وذهب بعضهم إلى أن الإخبار عن الأنعام بالإنزال "لأنها لا تعيش إلا بالنبات، الذي يخرج بالمطر المنزل من السماء". قال الشوكاني: "ويحتمل أن يكون مجازاً، لأنها لم تعش إلا بالنبات، والنبات إنما يعيش بالماء، والماء منزل من السماء، فكانت الأنعام كأنها منزلة". وقال الألوسي: "ويجوز أن يكون التجوز في نسبة الإنزال إلى الأنعام، والمنزل حقيقة أسباب حياتها، كالأمطار، ووجه ذلك: الملابسة بينهما".
٥-وذهب بعضهم إلى أن الإخبار عن الأنعام بالإنزال على ظاهره، ولكن ذلك لا يعني أن الأنعام منزلة من السماء، فإن الله لم يذكر في الآية أنها منزلة من السماء، وإنما معنى إنزالها أنها نزلت من أصلاب آبائها إلى بطون أمهاتها، ثم نزلت من بطون أمهاتها إلى الأرض. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " ليس في القرآن ولا في السنة لفظ نزول، إلا وفيه معنى النزول المعروف، ….الخ. وقال: "وَقَدْ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ إنْزَالَ الْحَدِيدِ ، وَالْحَدِيدُ يُخْلَقُ فِي الْمَعَادِنِ..... "ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْحَدِيدَ، فَكَانَ الْمَقْصُودُ الْأَكْبَرُ بِذِكْرِ الْحَدِيدِ : هُوَ اتِّخَاذُ آلَاتِ الْجِهَادِ مِنْهُ كَالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ وَالنَّصْلِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، الَّذِي بِهِ يُنْصَرُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَذِهِ لَمْ تَنْزِلْ مِنْ السَّمَاءِ..... وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ نُزُولَ الْحَدِيدِ بِمَعْنَى الْخَلْقِ، لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَعَادِنِ، وَعَلَّمَهُمْ صَنْعَتَهُ، فَإِنَّ الْحَدِيدَ إنَّمَا يُخْلَقُ فِي الْمَعَادِنِ ، وَالْمَعَادِنُ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْجِبَالِ ، فَالْحَدِيدُ يُنَزِّلُهُ اللَّهُ مِنْ مَعَادِنِهِ الَّتِي فِي الْجِبَالِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ بَنُو آدَمَ. وَقَالَ تَعَالَى: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ)، وَهَذَا مِمَّا أَشْكَلَ أَيْضًا. فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: جَعَلَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: خَلَقَ ، لِكَوْنِهَا تُخْلَقُ مِنْ الْمَاءِ، فَإِنَّ بِهِ يَكُونُ النَّبَاتُ الَّذِي يَنْزَلُ أَصْلُهُ مِنْ السَّمَاءِ، وَهُوَ الْمَاءُ ...
وَلَا حَاجَةَ إلَى إخْرَاجِ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ الْمَعْرُوفِ لُغَةً؛ فَإِنَّ الْأَنْعَامَ تَنْزِلُ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهَا، وَمِنْ أَصْلَابِ آبَائِهَا تَأْتِي بُطُونَ أُمَّهَاتِهَا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: قَدْ أَنْزَلَ الْمَاءَ، وَإِذَا أَنْزَلَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، مَعَ أَنَّ الرَّجُلَ غَالِبُ إنْزَالِهِ وَهُوَ عَلَى جَنْبٍ، إمَّا وَقْتَ الْجِمَاعِ ، وَإِمَّا بِالِاحْتِلَامِ، فَكَيْفَ بِالْأَنْعَامِ الَّتِي غَالِبُ إنْزَالِهَا مَعَ قِيَامِهَا عَلَى رِجْلَيْهَا، وَارْتِفَاعِهَا عَلَى ظُهُورِ الْإِنَاثِ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ هَذَا: أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْ النُّزُولَ فِيمَا خَلَقَ مِنْ السُّفْلَيَاتِ، فَلَمْ يَقُلْ: أَنَزَلَ النَّبَاتَ، وَلَا أَنْزَلَ الْمَرْعَى، وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلَ فِيمَا يُخْلَقُ فِي مَحَلٍّ عَلٍ ، وَأَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ، كَالْحَدِيدِ وَالْأَنْعَامِ" انتهى. وقال ابن القيم رحمه الله: "لَمْ يَقُلْ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَا قَالَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ السَّمَاءِ، فَقَوْلُهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الْحَدِيدَ وَالْأَنْعَامَ لَمْ يُنَزَّلْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، لَا يُخْرِجُ لَفْظَةَ النُّزُولِ عَنْ حَقِيقَتِهَا، إِذْ عَدَمُ النُّزُولِ مِنْ مَكَانٍ مُعَيَّنٍ، لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَهُ مُطْلَقًا. والْحَدِيد إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَعَادِنِ الَّتِي فِي الْجِبَالِ، وَهِيَ عَالِيَةٌ عَلَى الْأَرْضِ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ كُلَّ مَا كَانَ مَعْدِنُهُ أَعْلَى كَانَ حَدِيدُهُ أَجْوَدَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ )، فَإِنَّ الْأَنْعَامَ تُخْلَقُ بِالتَّوَالُدِ الْمُسْتَلْزِمِ إِنْزَالَ الذُّكُورِ الْمَاءَ مِنْ أَصْلَابِهَا إِلَى أَرْحَامِ الْإِنَاثِ، وَلِهَذَا يُقَالُ أَنْزَلَ، وَلَمْ يُنْزِلْ، ثُمَّ إِنَّ الْأَجِنَّةَ تَنْزِلُ مِنْ بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ إِلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْأَنْعَامَ تَعْلُو فُحُولُهَا إِنَاثَهَا بِالْوَطْءِ، وَيَنْزِلُ مَاءُ الْفَحْلِ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى رَحِمِ الْأُنْثَى وَتُلْقِي وَلَدَهَا عِنْدَ الْوِلَادَةِ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ". انتهى من "مختصر الصواعق المرسلة" (ص 441). وهذا هو نفس اختيار الشيخ محمد ابن إبراهيم رحمه الله، كما في "فتاواه" (13/ 100).
وهذا القول الأخير هو أظهر الأقوال –والله أعلم- لأن فيه إبقاء الآية على ظاهرها، وتفسير النزول بما يدل عليه في اللغة العربية. وهذا القول لا ينافي القول بـ(خلق) ولا القول بـ(قدر) ولكنه يزيد عليهما في المعنى.
وأما القول بأن الأنعام قد نزلت من السماء، فهو قول ضعيف لم يدل عليه دليل، ولذلك أعرض عنه عامة المفسرين ولم يذكروه، كابن جرير، وابن كثير، والطاهر بن عاشور رحمهم الله وغيرهم. ومن ذكره من المفسرين: لم ينسبه إلى أحد من العلماء، وإنما يقولون: وقيل:... إلخ. ونحو ذلك، كما فعل القرطبي رحمه الله وغيره، وبعضهم صرح بضعف هذا القول، كالألوسي رحمه الله فإنه قال: "وقيل: الكلام على ظاهره، والله تعالى خلق الأنعام في الجنة ثم أنزلها منها. ولا أرى لهذا الخبر صحة".
وأما القول بأن الحديد أنزل من خارج الأرض لقوله تعالى: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) فلم يثبت هذا القول، والخلاف في آية الحديد كالخلاف في آية الأنعام ولا فرق، ولذلك يذكر المفسرون الآيتين معًا عند الكلام على إحداهما. فما يذكره بعض المعاصرين من أن الحديد أنزل من خارج الأرض هو اجتهاد منهم لم يثبت في الشرع ما يؤيده. والله تعالى أعلم.