في هذا الحديث ما نوع المدارسة المقصودة؟ هل هي مدارسة المعاني وقراءة التفاسير، أم…
السؤال
في هذا الحديث ما نوع المدارسة المقصودة؟ هل هي مدارسة المعاني وقراءة التفاسير، أم مدارسة التجويد لتصحيح التلاوة؟👆🏼
الجواب
جاء في مدارسة القرآن أدلة كثيرة منها:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
"وما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ".
رواه مسلم.
وحديث أنس رضي الله عنه "أنَّ النبي ﷺ بعث إلى أناس سبعين رجلًا من الأنصار يقال لهم القراء، يقرؤون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلمون".
رواه مسلم.
وأصل (الدراسة): التعهد للشيء.
و(درس) يُطلق على معان، منها: القراءة؛ والحفظ.
وقد خصَّ بعضهم المدارسة بالقراءة والتعهّد،
لكن الظاهر شمولها لجميع ما يتعلق بالقرآن من تعلُّمه وتعليمه، وتفسيره، واستكشاف هداياته ودقائق معانيه، وتزكية النفس به.
و(المدارسة) من باب المفاعلة، بمعنى أن الفعل يكون بين اثنين أو أكثر على وجه الاشتراك، كالمخاصمة والمشاركة والمضاربة؛ فيدل على التشارك في تلك الأفعال ونحوها.
و شهر رمضان فرصة عظيمة لتفعيل منهج المدارسة القرآنية، فهو شهر كريم ومبارك،
و(المدارسة في رمضان) سُنَّة نبوية، فيها منافع كثيرة، ودلَّ على ثبوتها أحاديث صحيحة منها:
1-عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
"كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان، لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة". متفق عليه.
وفي رواية في صحيح البخاري: «فيدارسُه القرآن».
2-و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
"كان يُعرض على النبي ﷺ القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف كل عام عشرا، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه".
رواه البخاري
3-عن فاطمة رضي الله عنها قالت:
"أسرَّ إلي -تعني أن أباها ﷺ حدثها سراً فقال لها- إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أرى الأجل إلا قد اقترب".
متفق عليه.
وقد جاءت هذه الأحاديث في معارضة القرآن بأربعة ألفاظ:
١- أن النبي ﷺ هو الذي يعرض القرآن على جبريل.
٢- أن جبريل هو الذي يعرض القرآن على النبي ﷺ .
٣-أن كلا منهم يعرض على الآخر لظاهر الروايات بالالفاظ التي تفيد المفاعلة من الطرفين، و أن كلاً منهما كان يقرأ على الآخر، «فيدارسه»، «يعارضه»
قال ابن حجر: «والمعارضة مفاعلة من الجانبين كأن كلاً منهما كان تارة يقرأ والآخر يستمع»
٤-المدارسة وهو أعمّ من المعارضة؛ إذ المعارضة مختصة بالألفاظ، والمدارسة تشمل الألفاظ والمعاني.
والواجب الجمع بين كل هذه الألفاظ لصحّتها ولعدم وجود تعارض بينها.
قال ابن رجب في "لطائف المعارف": "دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك،
وعرض القرآن على من هو أحفظ له".
وذكر ابن باز من فوائد حديث ابن عباس أن المدارسة في الليل أفضل من النهار، لأن هذه المدارسة كانت في الليل، ومعلوم أن الليل أقرب إلى اجتماع القلب وحضوره والاستفادة أكثر من المدارسة نهارا.
قال ابن حجر: «قوله: (فيدارسه القرآن) قيل: الحكمة فيه أن مدارسة القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس والغنى سبب الجود والجود في الشرع إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي وهو أعمُّ من الصدقة، وأيضاً فرمضان موسم الخيرات لأن نعم الله على عباده فيه زائدة على غيره فكان النبي ﷺ يُؤْثر متابعة سنة الله في عباده فبمجموع ما ذكر من الوقت والمنزول به والنازل والمذاكرة حصل المزيد في الجود..»
وقال في موطن آخر: «وفيه أن مداومة التلاوة توجب زيادة الخير»
فكان جبريل يعارض النبي ﷺ في كلّ عام بما نزل من القرآن إلى ذلك الوقت على الترتيب الذي أراده الله للآيات في كلّ سورة مما لم تُنسخ تلاوته.
و العرض في كل سنة: لم يكن للقرآن كله، لأن القرآن لم يكن قد استكمل نزوله بعد.
وكانت العرضة الأخيرة أيضا لما كان نزل إلى هذا الوقت؛
ولا يمنع ذلك أن يكون قد نزل بعد رمضان، أو بعد العرضة شيء من القرآن، لم تشمله هذه العرضة.
قال الحافظ ابن حجر: "وفي الحديث إطلاق القرآن على بعضه وعلى معظمه، لأن أول رمضان من بعد البعثة لم يكن نزل من القرآن إلا بعضه، ثم كذلك كل رمضان بعده إلى رمضان الأخير فكان قد نزل كله إلا ما تأخر نزوله بعد رمضان المذكور.
وكان العرضة الأخيرة في سنة عشر إلى أن مات النبي ﷺ في ربيع الأول سنة إحدى عشرة، ومما نزل في تلك المدة قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم..) فإنها نزلت يوم عرفة والنبي ﷺ بها بالاتفاق ...وكأن الذي نزل في تلك الأيام، لما كان قليلًا بالنسبة لما تقدم، اغتفر أمر معارضته".