تصفّح

من مبادرات

«الاستشارات القرآنية» مبادرة من مركز تفسير للدراسات القرآنية، تُعنى باستقبال الأسئلة والاستشارات المتعلقة بالقرآن الكريم وعلومه، والإجابة عنها من قِبل نخبة من المتخصصين في الدراسات القرآنية.

ما المقصود بدلالة الاستنباط بمطّرد القرآن، ‏ومن أكثر من استعملها من المفسرين؟

السؤال

ما المقصود بدلالة الاستنباط بمطّرد القرآن، ‏ومن أكثر من استعملها من المفسرين؟

الجواب

من القواعد المهمة التي لا بد من معرفتها للمفسر والمستنبط من القرآن الكريم:
‏معرفة المعهود من معاني مفردات وأساليب وموضوعات القرآن الكريم (السياق القرآني العام)
‏فإن للقرآن عرفاً يختص به وطريقةً يتمّيز بها سواء أكان ذلك في الحروف أم الألفاظ أم في التراكيب والأساليب أم المعاني أم الأحكام أم الموضوعات..
‏وسواء أكان الاستعمال استعمالاً أغلبياً، أم مطّرداً.

‏وقد تُسمى بأسماء وأوصاف متقاربة نحو: “كليات القرآن” أو “قواعد القرآن” أو "عرف القرآن" أو "عادات القرآن".

‏وفيها أصول قديمة عن الصحابة والتابعين واتباعهم (السلف).

‏والمراد بكليات الألفاظ أن يفسر اللفظ المحتمل في اللغة لأكثر من معنى بمعنى واحد في كل مواضعه في القرآن، كقول ابن عباس: "كل سلطان في القرآن فهو حجة".
صححه الحافظ في الفتح.
‏
وهي نوعان: مطّردة وأغلبية.

‏وأما كليات المعاني فمن أمثلتها:
‏قوله تعالى: {إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ} [الطارق: ٨]
‏اختلف في معاد الضمير في (رَجْعِهِ) والقول الذي تؤيده هذه القاعدة هو أن الله تعالى على رجع الإنسان إليه يوم القيامة، لقادر كما هو قادر على خلقه من ماء هذا شأنه؛ لوجوه منها: أنه هو المعهود من طريقة القرآن من الاستدلال بالمبدأ على المعاد..

‏ومن أمثلتها في المعاني في التفسير:
‏قوله تعالى: {فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ} [الواقعة: ٧٥]
اختلف في تفسير النُّجُومِ والقول الذي تؤيده هذه القاعدة أنها الكواكب ويرجح هذا القول أن النجوم حيث وقعت في القرآن فالمراد منها الكواكب كقوله تعالى: {وَإِدْبارَ النُّجُومِ} [الطور: ٤٩] وقوله: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ} [الأعراف: ٥٤].

‏وأما كليات الأسلوب فمن أمثلتها:
‏الكناية عن الجماع وما يستحيا من ذكره باللمس والملامسة والرفث والدخول والنكاح ونحوها.
‏كقوله تعالى: (أو لامستم النساء) [النساء: 43]، وقوله: (ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه) [التحريم: 12]،وقوله: (كانا يأكلان الطعام) [المائدة: 75] (22).

‏قال الشاطبي (ت: 790 هـ): " أتى فيه الكناية في الأمور التي يستحيا من التصريح بها؛ كما كنّى عن الجماع باللباس والمباشرة، وعن قضاء الحاجة بالمجيء من الغائط... فاستقر ذلك أَدَبَاً لنا استنبطناه من هذه المواضع".

‏ومن أمثلتها في الأحكام:
‏استنباط عدم المؤاخذة قبل الإنذار، حيث أخبر جل وعلا عن نفسه بقوله: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) [الإسراء: 15].

‏قال الشَّاطبيُّ (ت: 790 هـ): "فجَرَتْ عادتُه في خَلْقه أنه لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال الرُّسُل".

‏وقال ابنُ عطية (ت: 542 هـ): "وتلخيص هذا المعنى أن مقصد الآية في هذا الموضع الإعلامُ بعادة الله مع الأمم في الدنيا... ومع هذا فالظاهر من كتاب الله في غير هذا الموضع ومن النظر أن الله تعالى لا يعذب في الآخرة إلا بعد بعثة الرسل".

‏وقد بين الله هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً) [النساء: 165] وقوله: (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) [فاطر: 24]وقوله: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) [النحل: 36] إلى غير ذلك من الآيات.

‏ومن أمثلتها في الأسلوب:
‏استنباط أن من الأدب في المناظرة أن لا يفاجئ بالرد كفاحاً، دون التقاضي بالمجاملة والمسامحة لأن ذلك أدعى إلى القبول وترك العناد وإطفاء نار العصبية.

‏وذلك من أسلوب القرآن كما في قوله: (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) [سبأ: 24]، وقوله: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) [الزخرف: 81]،وقوله: (قل إن افتريته فعلي إجرامي) [هود: 35]، وقوله:(قل أولو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون) [الزمر: 43]،وقوله: (أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون)[المائدة: 104].

‏ومن أمثلتها في الأسلوب:
‏ قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ * قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ (يونس: 34-35).
‏فمن عادات القرآن: الاستدلال على توحيد الله تعالى بذكر الخلق متبوعًا بالهداية، كما في قول إبراهيم: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، وقول موسى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾، مما يُظهر عجز الشركاء عن الخلق والهداية معًا.

‏ومن أمثلتها في الأسلوب:
‏ذكر الترغيب والترهيب بين يدي الأحكام التكليفية.
‏والاقتران بين أشياء منها: الإيمان مقروناً بالعمل الصالح، والسمع بالبصر.

‏تنزيه الله سبحانه وتعالى نفسه عن نسبة السوء إليه.

‏وتقديم اسم الله "الغفور" على اسمه "الرحيم".

‏وتعقيب البشارة بالنذارة والوعد بالوعيد أو العكس.

‏وذكر الدلائل الموجودة في الآفاق بعد الدلائل الموجودة في الأنفس.

‏وإطلاق لفظ "عباد" على خصوص أهل الإيمان.

‏وإطلاق لفظ العبد مضافاً إلى ضمير الغيبة الراجع إلى الله تعالى مراداً به النبي صلى الله عليه وسلم وحده.

‏وترك ذكر (حذف) ما يدل عليه السياق.

‏واستعمال الختم على القلب في شأن الكفار في جميع موارد اللفظ في القرآن.

‏والإعراض عن ذكر تفاصيل الفجور والمعاصي.
‏وترتيب أخبار الأنبياء والأمم السابقة عند ذكرها حسب وجودها الزمني غالباً (مثل: نوح، هود، صالح).
‏والإشارة بكلمة (هؤلاء)-إذا لم يوجد قرينة- إلى مشركي مكة.

‏ومن أمثلتها في اللغة:
‏ قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (النور: 31).
‏اختلف المفسرون في معنى “الزينة” هنا: هل المراد مواضع الزينة من البدن، أم الزينة الخارجية المضافة؟ ذهب الشنقيطي رحمه الله إلى ترجيح المعنى الثاني بناءً على عادة القرآن في استعمال لفظ “الزينة”، فقد استقرأ استعمالات هذا اللفظ في القرآن فوجد أنه يُطلق على الشيء الخارج المضاف إلى الذات، لا على الذات نفسها، كقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾، و﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾، و﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾، و﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾. فالزينة في كل هذه المواضع شيء خارجي مضاف، فكذلك في آية النور.

‏ وإطلاق لفظ القرية على المدينة الكبيرة الجامعة.

‏وإطلاق لفظ "الإنسان" في القرآن النازل بمكة على أهل الشرك.

‏وقد ذكر بعض السلف بعض العادات القرآنية، لا سيما عادات (كليات) الألفاظ.

‏وكليات الألفاظ عن السلف أكثر من سبعين كلية.
‏وذكر مقاتل جمعا منها؛ ونقل كثيرًا منه الملطي في كتاب التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع.
‏وذكر العلامة ابن فارس في رسالة الأفراد جملة منها.
وذكرها السيوطي في الإتقان, نقلا عنه.
‏وجمعها من الإتقان ونظمها عبد الهادي الأبياري ت:1305 في نظم مشتركات القرآن من كليات المباني في القرآن الكريم.
‏وقد أفردها من مجموعٍ مخطوط؛ وضبط نَصَّها الشيخ: صالح بن عبد الله العصيمي؛ وشرحها مرارا. وطبعت مرارا.

‏ولفضيلة د/ محمد الجوراني فيها بحث كبير جدا.

‏ثم كثر في كلام من بعده من السلف عن العادات الأسلوبية.
‏وقد قرر الجاحظ في "البيان والتبين" (المسمى التبيين) أن "في القرآن معان لا تكاد تفترق، مثل: الصلاة والزكاة، والجوع والخوف، والجنة والنار، والرغبة والرهبة، والمهاجرين والأنصار، والجن والإنس"، وأضاف ابن عاشور: "والنفع والضر، والسماء والأرض".
‏وذكر الزمخشري والرازي أن من عادة القرآن أنه ما جاء بـ (وعيد) إلا أعقبه بـ (وعد)، وما جاء بـ (نذارة) إلا أعقبها بـ (بشارة)، ويكون ذلك بأسلوب الاستطراد والاعتراض لمناسبة التضاد. 
‏وقد استوعب أبو البقاء الكفوي في كتابه "الكليات" في أوائل أبوابه (كليات) مما ورد في القرآن من معاني الكلمات.
‏وفي "الإتقان في علوم القرآن" لـ السيوطي شيء من ذلك.
وتعرض‏ صاحب "الكشاف" إلى شيء من عادات القرآن في متناثر كلامه في "تفسيره".
‏وتكلم عنها المعاصرون كثيرًا و أفردوها بأنواعها بمؤلفات كثيرة ومنها:

‏عرف القرآن الكريم والمعهود من معانيه واستعمالاته وأثره في الترجيح الدلالي (دكتوراه) لأحمد بن فالح الخالدي.
‏وعادات القرآن الكريم عند الطاهر بن عاشور في تفسير التحرير والتنوير-جمعا ودراسة (دكتوراه) للزميل د. محمد بن عمر عقيلي.
‏وعادات القرآن الأسلوبية دراسة تطبيقية رسالة (دكتوراه) د / راشد بن حمود الثنيان. منشورة

‏والتفسير بمعهود استعمال القرآن الكريم عند ابن عاشور د. مفتاح علي محسن (منشور محوسبا).

‏وعادات القرآن اللغوية والموضوعية للدكتور شافي سلطان العجمي (منشور محوسبا).

‏وتحدث عنها بعض من كتب في قواعد التفسير ومن أحسنها: "قواعد الترجيح" للبروفسور حسين الحربي.

‏وكذلك من كتب في الاستنباط ومن أحسنها: "منهج الاستنباط من القرآن الكريم" للبروفسور فهد الوهبي.

تابع القراءة

اسأل المستشار الآلي

أهلًا بك. اكتب سؤالك، وأنقل لك جوابَ من أجاب عن مثله من المستشارين بنصّه.