ما تفسير قوله تعالى (من شر الوسواس الخناس)؟
السؤال
ما تفسير قوله تعالى (من شر الوسواس الخناس)؟
الجواب
الوَسواس بالفتح هو اسم للموسوس، من الوسوسة، وقد تكون همساً يحسّ المرءُ أثرَهُ ولا يُسمع صوتَه ، كما في وسوسة النفس ووسوسة الشيطان للإنسان.
فهو إلقاء خفي للإنسان.
قال ابن القيم:
"ولما كانت الوسوسة كلاماً يكرره الموسوس ويؤكده عند من يلقيه إليه كرروا لفظها بإزاء تكرير معناها؛ فقالوا : وسوس وسوسة؛ فراعَوا تكرير اللفظ ليُفهم منه تكرير مسمّاه".
والتعريف في {الوسواس} للجنس؛ فيشمل كل وسواس.
و{الخناس}: صفة مبالغة من الخنوس، وهو الاختفاء، وهو اختفاء فيه معنى الانقباض والتواري والرجوع.
ومعنى المبالغة فيه:
كثير الخنوس،
أو شديد الخنوس.
واقتران الصفتين ببعضهما دليل على تلازمها، وهذا التلازم فيه شر إضافي.
ففي وسوسته شر، وفي خنوسه شر،
وفي كثرة وقوع الوسوسة والخنوس وتتابعهما شر عظيم يستوجب الاستعاذة بالله تعالى من شره.
وفي المراد بالوسواس الخناس قولان:
القول الأول: أنه الشيطان؛
وهو المشهور،
وقال به جمهور المفسرين.
القول الثاني: كل موسوس من:
١-شياطين الإنس،
٢-وشياطين الجن،
٣-ووسوسة النفس الأمارة بالسوء.
و لخنوس الوسواس سببان:
السبب الأول: ذكر الله عز وجل،
قاله جمهور المفسرين وممن نص على ذلك: ابن عباس ومجاهد والحسن البصري وقتادة.
والسبب الثاني: طاعته والاستجابة إليه، ولذلك يرتاح بعض الناس إلى المعصية.
ويكون هذا في كل شأن من الشؤون؛ يوسوس الشيطان للعبد ثم يخنس إذا ذكر الله وإذا أطيع.
قال ابن جرير:
"والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله -تعالى ذِكره- أَمَرَ نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يستعيذ به من شر شيطان يوسوس مرة ويخنس أخرى، ولم يخصَّ وسوسته على نوع من أنواعها، ولا خنوسه على وجه دون وجه، وقد يوسوس بالدعاء إلى معصية الله؛ فإذا أطيع فيها خنس، وقد يوسوس للنهي عن طاعة الله ؛ فإذا ذكر العبد أمر ربه فأطاعه فيه وعصى الشيطانَ خنس؛ فهو في كلتا حالتيه وسواس خناس، وهذه الصفة صفته". ا.هـ.
روى ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (الشيطان جاثم على قلب ابن آدم؛ فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس).
وروى ابن جرير نحو ذلك عن مجاهد بن جبر.
وأصح ما روي في ذلك ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث الزهري عن علي بن الحسين عن صفية بنت حيي قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه و سلم معتكفا ، فأتيته أزوره ليلا، فحدثته ثم قمت فانقلبت ،فقام معي ليقلبني ، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد ، فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي صلى الله عليه و سلم أسرعا ، فقال النبي صلى الله عليه و سلم:((على رسلكما ، إنها صفية بنت حيي)) .
فقالا: (سبحان الله يا رسول الله).
قال: ((إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءا)) -أو قال- ((شيئا)).
وفي رواية عند البخاري: ((إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا)).
فهو يقذف في القلب، وهذا دليل على وجود اتصال له بقلب الآدمي ليقذف فيه، وأن القلب محلٌّ قابل لتلقّي ما يقذف به الشيطان وعَقْلِه وإدراكه، وإذا لم يعصم اللهُ العبدَ من شر ما يلقيه الشيطان ضل وشقي.
والأمر بالاستعاذة من شره دليل على أن العبد لا يستطيع بنفسه أن يعصم نفسَه من كيد الشيطان ، وكل موسوس خناس.
وإنما يحتاج إلى الاستعاذة بمن يعصمه منه، وهو الله جل وعلا وحده.
وإذا أحسنَ العبدُ الاستعاذةَ بالله تعالى بالقلب والقول والعمل لم يضرَّه كيد الوسواس الخناس.