قرأت أن الجمع البكري اشتمل على الأحرف السبعة كما قاله الزرقاني والقطان، لكني لم…
السؤال
قرأت أن الجمع البكري اشتمل على الأحرف السبعة كما قاله الزرقاني والقطان، لكني لم اجد أصلا استندوا عليه، فهل هو محض اجتهاد، وهل يوجد من سبقهم؟ وإن حملنا كلامهم على الصحة، فهذا يعني أنهم كرروا كتابة بعض الكلمات أكثر من مرة لتحتملها بعض هذه الأحرف؟
الجواب
يظهر أن هذا القول خطأ ولا دليل عليه، وقد وقع عند بعض من كتب في علاقة الأحرف السبعة بجمع القرآن افتراضات لا يدل عليها دليل نقلي، بل هي من التخريج العقلي المحض، ويظهر أن من أسباب ذلك عدم تبيُّن المراد بالأحرف السبعة. التي لا زالت مسألة مشكلة، فلا يُعرف على وجه القطع حقيقة الأحرف لنعرف هل بقي منها شيء أو تُرك، والذي يظهر مما تدل عليه النصوص أن الجمع البكري كان لما ثبت في العرضة الأخيرة، والعرضة الأخيرة قد ثبت في النصوص أن فيها ما تُركت تلاوته مما هو بين يدي الصحابة، ثم جاء الجمع العثماني فلم يزد على مجرد نسخ ما جُمع على العرضة الأخيرة في الجمع البكري، وإنما ألزم الصحابة به وبترك ما بأيديهم مما تركت تلاوته. وعليه فما بين الدفتين منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي بين أيدينا الآن، وقد أخرج البخاري ما يؤنس بأن ما بين الدفتين مما كان من عهد رسول الله ﷺ. قال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا سفيان عن عبد العزيز بن رفيع قال: دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس، فقال له شداد بن معقل: «أَتَرَكَ النبي ﷺ من شيء؟
قال: ما ترك إلا ما بين الدفتين.
قال: ودخلنا على محمد ابن الحنفية، فسألناه، فقال: ما ترك إلا ما بين الدفتين»، وقال البيهقي: «وأَمَرَ أبو بكر بجمع القرآن، ونَقَلَه إلى مصحفٍ، ثم اتخذ عثمان من ذلك المصحف مصاحف، وبعث بها إلى الأمصار، ولم يُعْرَف أنه أُثبت في المصحف الأول، ولا فيما نُسِخَ منه شيء سوى القرآن، فلذلك ينبغي أن يُعمل في كتابة كل مصحف». والله أعلم.
س/ إذا كان الأمر كذلك وإن جمع عثمان رضي الله عنه مجرد نسخ للصحف البكرية..
فماذا كان يقصد عثمان عندما قال للكتبة الأربعة إذا اختلفتم في شيء فاكتبوه بلغة قريش؟!
ج/ نعم لم يكن للجمع العثماني هدف إلا النسخ للمصحف البكري ثم الإزام به، ولم يكن له هدف آخر كالانتخاب منه، كما يذهب إليه بعضهم، حيث يذهب إلى أن عثمان رضي الله عنه ترك المنسوخ من الآيات الواردة في مصحف أبي بكر رضي الله عنه، وهذا قد تبين أنه غير صحيح.
أما الذي كان يقصده عثمان رضي الله عنه بقوله للكتبة الأربعة "إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم" فالمقصود به: إرشادهم إلى ما يعملونه حال اختلافهم في (رسم) كلمة ما، بدلالة قوله «فاكتبوه»؛ أي: فارسموه بطريقة نطق قريش التي نزل القرآن أول ما نزل بلغتها. فإرشاده متعلق بالرسم لا غير. فإن قلت: كيف يختلفون، وأمامهم المصحف ينقلون منه؟
فالجواب: إن زيدًا لما كتب المصحف في عهد أبي بكر رضي الله عنه لم يكن معه مثل هذه اللجنة التي يُظَنُّ من اجتماعها على أمر اجتهادي -وهو رسم المصحف- أن تقع في اختلاف، وهذا يدلُّك على أن رسم المصحف لم يكن إلزامًا؛ لأن بينهم اختلاف تنوعٍ في الكتابة -أي: الرسم ـ، وليس هذا بغريب في علم الكتابة البتة، وما رُوي من أنهم اختلفوا في لفظ (التابوت) هل يُكتب بالتاء المفتوحة أو بالتاء المربوطة، فإنه يدل على ذلك النوع من الاختلاف، لا سيما إذا عُلم أن رسم الكلمة بنوع من الرسم لا يمنع من قراءتها بما ثبت، وإن لم يرد بها الرسم، فالمحفوظ في الصدور أصل، والرسم فرع عنه، إذ هو صورة لذلك المحفوظ، والله أعلم.