تصفّح

من مبادرات

«الاستشارات القرآنية» مبادرة من مركز تفسير للدراسات القرآنية، تُعنى باستقبال الأسئلة والاستشارات المتعلقة بالقرآن الكريم وعلومه، والإجابة عنها من قِبل نخبة من المتخصصين في الدراسات القرآنية.

قرأت في كتب التفسير، ولم أجد في قلبي أثرا، فكيف أستفيد منها في زيادة الإيمان وال…

السؤال

قرأت في كتب التفسير، ولم أجد في قلبي أثرا، فكيف أستفيد منها في زيادة الإيمان والعمل بها؟

الجواب

كتب التفسير من كتب العلم الشرعي، وهو ثلاثة أقسام:
‏الأول: العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وأكثر آيات القرآن في تقرير هذا النوع.
‏الثاني: العلم بما أخبر الله به مما كان من الأمور الماضية.. وما يكون من الأمور المستقبلة.. وما هو كائن من الأمور الحاضرة.
‏وفي مثل هذا أنزل الله آيات الخلق، وقصص الأنبياء مع أممهم، وآيات الوعد والوعيد، وصفة الجنة والنار.
‏الثالث: العلم بما أمر الله ورسوله به من أعمال القلوب كالإيمان واليقين والتوكل ونحو ذلك.
‏ومن أعمال الجوارح كالعبادات والطاعات القولية والفعلية.

‏وللعلم الشرعي شعبتان:
‏فضائل.. ومسائل.
‏فالفضائل: تولِّد الشوق والرغبة لامتثال أوامر الله عز وجل، وهي من الإيمان، وينبغي تعلمها قبل الأحكام والمسائل، وبها تُعرف قيمة الأعمال، فتنشط النفوس للعمل.
‏فالقلوب تتأثر من كلام الله ورسوله، فتتحرك الجوارح لأداء الطاعات بالرغبة والشوق.
‏والمسائل: هي الأحكام الشرعية العملية كأحكام الطهارة، والصلاة ونحوهما، والقصد من معرفتها التعبد لله بها، على طريقة الرسول ﷺ.

‏ولا يبعد أن سبب عدم انتفاع أحدنا بقراءة القرآن أو تفسيره عدم قابلية المحل أو ضعفه لقلة أو عدم تحقيق الإيمان قبل العلم.

‏وتحقيق الإيمان وتعلُّمه من أول وأوجب الواجبات على المكلَّف، فقد قال اللهُ تعالى لرسوله -صلى الله عليه وسلم-: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}.

‏صح عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِتْيَانٌ حَزَاوِرَةٌ، فَتَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ، فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا".
‏والحزور بتشديد الواو؛ هو الغلام إذا اشتد وقوي.

‏والمقصود بتعلم الإيمان قبل القرآن:
‏التربية على أصول الإيمان، وتعلم معانيه، تعلما عمليا من النبي ﷺ وأحواله، وأفعاله، وتلقيا من سنته، وتعليمه لهم، وتأديبه إياهم بأدب الدين؛ فيتحصل لهم معرفة بمعاني القرآن، الذي يتعلمون ألفاظه بعد ذلك ، فيحصل لهم علم "مجمل" بمعاني القرآن، قبل أن يحصل لهم العلم المفصل بتعلم حروفه وكلماته .
‏وقد لخّص هذا الحال؛ ابن عمر رضي الله عنه لمّا قال: "لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدثنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فيتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده فيها كما تعلمون أنتم القرآن ، ثم قال: لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما أمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه ينثره نثر الدقل).

‏وتعلم الصحابة للإيمان ساهم فيه أن أسس الإيمان مبثوثة في سور المفصل؛ ولذا سمى ابن مسعود رضي الله عنه سور المفصل بلباب القرآن.
‏فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قالت: (إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام ، نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدا، لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب: {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده).

‏فالإيمان قبل القرآن، بأن يربي المؤمن نفسه على العقائد والشرائع التي جاء بها القرآن، ويأخذ ذلك بعزيمة وقوة، فإذا شرع بعد ذلك في الاستكثار من حفظ آيات القرآن، حفظه وهو يشعر أنه مخاطب بها؛ فيتمعن ويتدبر فيما يحفظ، ويخاف أن يكون حجة عليه فيسارع للامتثال بما حفظ.
‏وهذا لا شك أصل مهم، فالمؤمن له قلب أحب الإيمان ومال إليه وتذوق حلاوته وحسنه وجماله وأذعن له.

‏والقلوب العامرة بالإيمان تتأثّر بالمواعظ وتنزجر وتعتبر بالتذكير، كما قال الله تعالى عن القرآن: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ}[يس: 69، 70].
‏وقال تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}[الذاريات: 55].
‏وقال تعالى: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى*وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى}[الأعلى: 9-11].

تابع القراءة

اسأل المستشار الآلي

أهلًا بك. اكتب سؤالك، وأنقل لك جوابَ من أجاب عن مثله من المستشارين بنصّه.