تصفّح

من مبادرات

«الاستشارات القرآنية» مبادرة من مركز تفسير للدراسات القرآنية، تُعنى باستقبال الأسئلة والاستشارات المتعلقة بالقرآن الكريم وعلومه، والإجابة عنها من قِبل نخبة من المتخصصين في الدراسات القرآنية.

ما هي العلة في استقرار "العمل" عند أهل الأداء على وجه (الإخفاء) في الميم الساكنة…

السؤال

ما هي العلة في استقرار "العمل" عند أهل الأداء على وجه (الإخفاء) في الميم الساكنة عند الباء، رغم وجود مذهب قوي بالإظهار عند البعض؟

الجواب

بسم الله وبه أستعين

‏نعم؛ استقرار العمل على الإخفاء لا يعني أن مذهب الإظهار كان ضعيفًا من جهة الرواية، بل كان قويًّا معتبرًا، حتى إن ابن الجزري ذكر أن الإظهار كان عليه أهل الأداء بالعراق وسائر البلاد الشرقية، وهو اختيار مكي بن أبي طالب، بينما كان الإخفاء مذهب ابن مجاهد والداني وعليه أهل الأداء بمصر والشام والأندلس والبلاد الغربية. ثم خلص ابن الجزري إلى الحكم الجامع: «والوجهان صحيحان مأخوذ بهما، إلا أن الإخفاء أولى».

‏والذي يظهر -والله أعلم- أن استقرار العمل المتأخر على الإخفاء نتج من اجتماع ثلاثة أمور:

‏الأول: قوة مأخذ الإخفاء من جهة القياس الأدائي. وهذه هي العلة التي صرّح بها ابن الجزري نفسه؛ فقال إن الإخفاء أولى «للإجماع على إخفائها عند القلب»؛ أي إن النون الساكنة أو التنوين إذا قُلبت ميمًا قبل الباء، نحو: ﴿مِنْ بَعْدِ﴾، صارت في النطق ميمًا مخفاة عند الباء، ولا خلاف معتبر في ذلك. فصار السؤال: إذا كان التركيب الصوتي في الحالتين واحدًا تقريبًا: ميم ساكنة + باء، فلماذا نُخفي الميم المنقلبة ونُظهر الميم الأصلية؟ فكان الإخفاء أكثر اطرادًا واتساقًا في الأداء. وزاد ابن الجزري استدلالًا بإخفائها في مذهب أبي عمرو في مواضع كـ﴿أَعْلَمُ بِالشَّاكِرِينَ﴾.

‏الثاني: المناسبة الصوتية القوية بين الميم والباء. فكلتاهما شفويتان، وإطباق الشفتين واقع في النطق بهما؛ ولهذا كان انتقال الميم الساكنة إلى الباء انتقالًا شديد القرب. فالإخفاء يحقق ذات الميم وغنتها من غير مبالغة في تحقيقها ثم الانتقال إلى الباء. أما الإظهار التام فيحتاج إلى عناية أشد بالفصل الأدائي بين الحرفين. وهذه المناسبة هي أصل اختلاف المتقدمين أصلًا: هل القرب بينهما يقتضي الإخفاء، أو يجب البيان خشية الإدغام؟ ولذلك كان مكي يقول بالإظهار خوف الإخفاء والإدغام لقرب المخرج، بينما جعل ابن مجاهد والداني هذا القرب نفسه مسوغًا للإخفاء.

‏الثالث: ترجيح ابن الجزري ثم شيوع مدرسته في التعليم والإقراء. ولعل هذا هو العامل التاريخي الأهم في عبارة «استقر العمل». فابن الجزري لم يكتف في النشر بتصحيح الوجهين، بل رجّح الإخفاء، ثم صاغ اختياره في أشهر متن تعليمي في التجويد بقوله:

‏«وأخفين الميم إن تسكن بغنة
‏لدى باءٍ على المختار من أهل الأداء».

‏فقوله «على المختار» بالغ الدلالة: هو يعلم الخلاف ويصحح أصله، لكنه يختار الإخفاء. ثم لما أصبحت المقدمة الجزرية وما جرى على طريقتها أساسًا للتلقين عبر القرون، انتقل المختار شيئًا فشيئًا إلى أن صار هو العمل التعليمي الغالب.

‏فالإخفاء لم يستقر لأنه الوجه الوحيد الصحيح، وإنما استقر لأنه اجتمع له صحة الرواية، وقوة القياس الأدائي، وترجيح ابن الجزري، ثم تتابع التعليم به في المدارس الإقرائية المتأخرة.

‏والله أعلم، وهو الموفق للصواب.

تابع القراءة

اسأل المستشار الآلي

أهلًا بك. اكتب سؤالك، وأنقل لك جوابَ من أجاب عن مثله من المستشارين بنصّه.