ما هو أقدم تفسير وصل إلينا، وهل طبع أم لا؟
السؤال
ما هو أقدم تفسير وصل إلينا، وهل طبع أم لا؟
الجواب
لا يوجد لدينا ما يقطع به الدارس على أول مدونة كاملة شاملة لجميع سور القرآن وآياته، ولكن القرن الأول شهد ظهور أول تفسير كامل للقرآن، والظاهر أن ذلك كان في مطلع النصف الثاني منه إذ تشير المصادر إلى تفسيرين هما أقدم ما نعلم حتى الآن:
١-تفسير كان قبل عام 68هـ : وهو تفسير مجاهد بن جبر المخزومي المكي ت 104هـ. فعن ابن أبي مليكة قال: رأيت مجاهدا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه. فيقول له ابن عباس: اكتب، قال: حتى سأله عن التفسير كله".
وعن مجاهد قال: "عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها".
وهذه الشهادة تفيدنا في تحديد زمن كتابة هذا التفسير، لأن عبد الله بن عباس توفي 68هـ، فتفسير مجاهد دون قبلها، وبذلك يكون هذا التفسير أقدم تفسير كامل للقرآن حسب ظاهر هذه الدلائل.
ومجاهد له تفسير كان أصحابه يكتبون عنه، كما قال عبيد المكتب: (رأيتهم يكتبون التفسير عند مجاهد)
فمنه ما هو موقوف عليه، ومنه ما يسنده إلى ابن عباس أو غيره.
وأملى مجاهد التفسير على تلميذه القاسم بن أبي بزة، وعنه أخذه ابن أبي نجيح والحكم بن عتيبة وليث بن أبي سليم كما ذكر ذلك سفيان ابن عيينة.
٢-(من ٦٥- إلى ٨١) تفسير سعيد بن جبير الأسدي الذي قتله الحجاج بن يوسف الثقفي سنة 94هـ.
فقد طلب عبد الملك بن مروان (ت 86هـ) منه أن يجمع له تفسيرا للقرآن.
وقد وجده عطاء بن دينار في الديوان؛ ولم يسمعه من سعيد ؛ فكان يروي ما فيه، وعطاء ثقة ولعدالته قبلت روايته لتفسير سعيد بن جبير رغم أنه لم يسمعه منه، وإنما وجده وأخذه من "ديوان" عبد الملك. وقد تضمنت كتب التفسير المسندة جملة من مروياته وكانت لسعيد صحيفة قال سعيد: "ربما أتيت ابن عباس، فكتبت في صحيفتي حتى أملأها، وكتبت في نعلي حتى أملأها، وكتبت في كفي، وربما أتيت فلم أكتب حديثا حتى أرجع، لا يسأله أحد عن شيء".
-ومن خلال الأدلة التاريخية المتوفرة، فإن تفسير سعيد بن جبير ثاني تفسير كامل للقرآن ظهر بعد تفسير مجاهد لأن سبب قتل سعيد هو مشاركته مع عبد الرحمن بن الأشعث في الخروج على الحجاج ؛ فيبعد أن يطلب عبد الملك من سعيد كتابة تفسير له وسعيد خارج عليه مع ابن الأشعت، كما يصعب قبول استجابة سعيد للطلب، فالظاهر أن هذا التفسير قد كتب لعبد الملك بن مروان بين توليه الخلافة 65هـ ،وخروج سعيد عليه 81هـ
والظاهر أن التفسير الذي كتبه سعيد كان أكثره من قوله لا مما يرويه عن ابن عباس.
ولم نقف على أن مجاهد وسعيد بن جبير رووا عن ابن عباس عين ما كتبوه.
وممن ذكر أنه كان يكتب التفسير عن ابن عباس: غير مجاهد، وسعيد بن جبير :
أربدة التميمي، وأبو مالك الغفاري، وأبو صالح مولى أمّ هانئ وغيرهم. وهؤلاء تداول صحفهم عنه الرواة حتى أخرج منها أصحاب التفاسير المسندة كابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وغيرهم.
ولم يصل إلينا عن أحد من مفسّري القرن الأول من الصحابة والتابعين كتاب تامّ في التفسير يُروى عنه بإسناد صحيح، ولكن اجتهد الباحثون في جمع مروياته عن عامة الصحابة والتابعين، واذا كان قصدكم وصلنا مخطوطا ثم مطبوعا مستقلا فكتاب تفسير مقاتل بن سليمان البلخي (ت: 150هـ)👇🏼
وكان مقاتل قد حصّل نُسَخاً تفسيرية كثيرة من النسخ التي كانت في عصرهم، وقد ذكر أنه استخلص تفسيره من تفاسير ثلاثين رجلاً منهم اثنا عشر رجلاً من التابعين، وما لايتوقف التفسير فيه على الرواية، وإنما يدرك بحسن الفهم والاستدلال وجودة الاستنباط والتنبيه فله مسائل كثيرة أصاب فيها، وله بذلك ملَكة تفسيرية تدل على عنايته بالتفسير، لكن يُحذر مما يتفرّد به مما لا يكون له وجه استدلال صحيح.
ولكثرة ما جمع من التفسير وتقدّم سنة وفاته وشهرة تفسيره وكثرة ما أصاب فيه وكثرة غرائبه التي تنقل عنه كثرت العناية بتفسيره؛ حتى قال عنه الشافعي فيما رُوي عنه من أكثر من وجه: (الناس عيال على مقاتل في التفسير).
وهذه العبارة لا تقتضي التوثيق والتزكية وإنما تدلّ على أن تفسيره مرجع لكثير من المشتغلين بعلم التفسير، ولذلك يكثر النقل عنه
ثم عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (ت: 151هـ)👇🏼
أحد الأئمة الأعلام، وأوعية العلم الكبار، ومفتي أهل مكة في زمانه، أدرك جماعة من أصحاب ابن عباس؛ وقد عني بتدوين العلم مع حسن ضبطه؛ فدوّن أحاديث كثيرةً جداً،
وهو أوّل من صنّف التصانيف بمكة، وكانت كتبه محلّ عناية أهل الحديث وثقتهم، ومرويات ابن جريج في كتب التفسير المسندة كثيرة جداً، له في تفسير ابن جرير وحده نحو 2500 رواية.
وقد طبع تفسيره حديثاً.
قال أبو حامد الغزالي (ت 505هـ): أول كتاب صنف في الإسلام كتاب ابن جريج في الآثار وحروف التفسير عن مجاهد وعطاء وأصحاب ابن عباس رضي الله عنهم بمكة".