قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجار…
السؤال
قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما)
ذكر الله عز وجل آداب التعاملات المالية بين الناس ثم قال (ولا تقتلوا أنفسكم)
فما هو الرابط؟
الجواب
يلحظ من هذا الاقتران إن استقرار المعاملات المالية ونقاءها من الباطل هو الضمانة الأولى لحقن الدماء وحفظ الأنفس؛ فمتى ما فسدت الأموال وضاعت الحقوق، حلّت الصراعات وأفضى ذلك إلى الهلاك الحسي (القتل) والهلاك المعنوي (الظلم وفساد المجتمع).
هذا التتابع في الآية الكريمة من سورة النساء يحمل توجيهاً قرآنياً بليغاً وعميقاً، يربط فيه الله عز وجل بين أكل أموال الناس بالباطل وبين قتل الأنفس. وقد ذكر المفسرون والعلماء عدة روابط وثيقة تجمع بين هذين الأمرين، تتلخص في الآتي:
1. السبب المفضي إلى النتيجة (المال عديل الروح)
المال هو عصب الحياة، والاعتداء عليه بأكله بالباطل (كالسرقة، والربا، والنصب، والرشوة) يؤدي بالضرورة إلى إهلاك المجتمع. فالفقير الذي يُسلب ماله أو يُظلم قد يدعه ذلك إلى الانتحار يأساً، أو قد يدفع الظلمُ المظلومَ إلى قتل الظالم تشفياً، أو يؤدي الشح والجشع بالظالم إلى قتل من يقف في وجهه. فبث غرس الجشع والظلم المالي هو أول خطوة في طريق سفك الدماء.
2. وحدة الأمة والمجتمع (الكل كالنفس الواحدة)
الخطاب في الآية موجه للمؤمنين كجماعة واحدة (ولا تقتلوا أنفسكم). وفي هذا تصوير بليغ بأن المجتمع الإنساني أو الإيماني كالجسد الواحد؛ فإذا قتل المسلمُ أخاه أو أكل ماله، فكأنما فعل ذلك بنفسه لأن الجريمة تعود وتصيب المجتمع كله بالخراب. فمن أكل مال أخيه فقد أسهم في إهلاك "نفسه" المجتمعية.
3. إهلاك النفس بالمعصية والآثام
أكل أموال الناس بالباطل سبب لاستحقاق العقوبة الإلهية ودخول النار، وهذا في حد ذاته إهلاك للمرء وتدمير لنفسه في الآخرة. فكأن المعنى: لا تقتلوا أنفسكم بارتكاب هذه الموبقات التي تؤدي بكم إلى الهلاك والعذاب الأليم.
4. التدرج من الأخف إلى الأغلظ
من بلاغة القرآن التدرج في النهي والتشريع؛ فبدأ بحماية الأموال أولاً لأنها أهون من الأنفس، ثم ثنّى بحماية الأنفس التي هي أغلى ما يملك الإنسان، ليبيّن أن من استحل أموال الناس بالباطل، يوشك أن يجرّه ذلك إلى استباحة دمائهم وأعراضهم.