هل مقاصد السور لا بأس أن استنبطها من أقوال أهل العلم، ثم أوجد المناسبة بين المقص…
السؤال
هل مقاصد السور لا بأس أن استنبطها من أقوال أهل العلم، ثم أوجد المناسبة بين المقصد وبين موضوعاتها أو المقصد مع اسم السورة أم الأفضل أن لا أستنبط، وإنما أكتفي بما ورد من بعض أقوال العلماء المتقدمين؟
الجواب
نزلت جميع آيات وسور القرآن الكريم لغاية جليلة ولسبب عام وهو هداية للبشر، وإخراجهم من ظلمات الجهل والكفر إلى نور الحق والتوحيد.
وأفضل ما يمكن أن يحدد ويبين غايات نزول القرآن الكريم هو القرآن الكريم نفسه.
ومن المعاني التي صرحت فيها الآيات المصرحة بعلل ومقاصد إنزال القرآن الكريم بلام التعليل:
قوله تعالى: ﴿ وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ﴾ النحل: 64.
وقوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ إبراهيم: 1
وقوله تعالى: ﴿هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور﴾ الحديد:9
وقوله تعالى: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون. أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا﴾ الأنعام: 155 ـ 156.
وقوله تعالى: ﴿وأوحي إلي هذا القرآن لاُنذركم به ومن بلغ﴾ الأنعام: 19.
وقوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ الشورى : 7
وقوله تعالى: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب﴾ ص:29
ويجمع هذه الغايات:
إصلاح الناس أفرادا وجماعات لاسيما في أصل الغايات كلها وهي إصلاح الاعتقاد ويرجع إليها تهذيب الأخلاق، ومعرفة الأحكام.
ولذا جعل الشاطبيُّ المعرفةَ بمقاصد القرآن الكريم شرطا للتأهُّل للتوقيع عن الشارع، فقال«فإنَّ القرآن والسُّنة لمّا كانا عربيَّيْن لم يكن لينظر فيهما إلا عربيّ، كما أنَّ مَن لم يعرف مقاصدهما لم يحلَّ له أن يتكلّم فيهما؛ إِذْ لا يصح له نظر حتى يكون عالمًا بهما، فإنه إذا كان كذلك لم يختلف عليه شيء من الشريعة».
وأوجب ابن عاشور على الآخذ في فنِّ التفسير أن يعلم المقاصد الأصلية التي جاء القرآن لتبيانها.
وقد أجمل الإمام ابن عاشور المقاصد الكلية كلها في ثمانية:
١-إصلاح الاعتقاد،
٢-تهذيب الأخلاق،
٣-بيان التشريع،
٤-سياسة الأمة وصلاحها وحفظ نظامها،
٥-القصص،
٦- التعليم،
٧-المواعظ والتبشير،
٨-الإعجاز بالقرآن.
ومقاصد السورة جزء من مقاصد القرآن الأساسية.
و الظاهر في سور القرآن الكريم أن تكون كلُّ واحدة منها تعالج غرضًا رئيسًا.
«وإنك لتقرأ السورة الطويلة المنجَّمة يحسبها الجاهل أضغاثًا من المعاني حُشِيَت حشوًا، وأوزاعًا من المباني جمعتْ عفوًا؛ فإذا هي -لو تدبرتَ- بِنْيَةٌ متماسكة قد بُنيت من المقاصد الكلية على أُسُس وأصول، وأُقيم على كلّ أصل منها شُعَب وفصول، وامتد من كلّ شُعبة منها فروع تقصر أو تطول، فلا تزال تنتقل بين أجزائها؛ كما تنتقل بين حجرات وأفنية في بنيان واحد قد وضع رسمه مرّة واحدة، لا تحسّ بشيء من تناكر الأوضاع في التقسيم والتنسيق، ولا بشيء من الانفصال في الخروج من طريق إلى طريق، بل ترى بين الأجناس المختلفة تمام الأُلفة، كما ترى بين آحاد الجنس الواحد نهاية التضامِّ والالتحاق. كلّ ذلك بغير كلفة ولا استعانة بأمر من خارج المعاني أنفسها، وإنما هو حسن السياقة، ولطف التمهيد في مطلع كلّ غرض ومقطعه وأثنائه، يريك المنفصل متصلًا، والمختلف مؤتلفًا».
وللباحثين في المقاصد القرآنية طرق يستدلّون بها على مقاصد كلِّ سورة، يمكن إرجاعها في الجملة إلى أمرين:
الأول: النَّظر في بعض علوم السور، ومنها:
-أسماء السورة التوقيفية، لاسيما سورة الكهف، والإخلاص.
وأم الكتاب، وأم القرآن الكريم ونحوها، والذي يكون ظاهرا منها نادر جداً.
-فضائل السور فيُستدلَّ على هذه المقاصد بما صحَّ من فضائلها، ويمكن أن ينعكس، فيُستأنس بما صحَّ من الفضائل في تدبُّر المقاصد واستنباطها.
على قِلَّة عدد السور التي صحَّ في فضائلها آثارٌ مرفوعة أو لها حكم الرفعِ؛
وقد دلل بعض الباحثين على ذلك بفضائل سورتي الكهف والملك، فقد صحَّ في فضائل سورة الكهف لتأكيد مقصد الاعتصام من الفتنِ مقصدًا رئيسًا للسورة الكريمة،
و صحَّ في فضائل الثانية ما يدل على أنَّ من مقاصدها الرئيسة التوقيف على إجابات الأسئلة الكبرى التي يُعصَم العامل بمقتضاها من عذاب النار ومن عذاب القبر، ويضع أملَه في الدُّنيا في قدرِه الطبيعيِّ فيُحسن التزوُّد للدار الآخرة.
ومن ذلك توجيههم ما ثبت من أنَّ سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن بأنَّ الله -عزّ وجل- جعل القرآن ثلاثة أجزاء؛ أحدها: القصص والعبر والأمثال. والثاني: الأمر والنهي والثواب والعقاب. والثالث: التوحيد والإخلاص. وقد تضمنت هذه السورة صفة توحيده تعالى وتنزيهه عن الصاحبة والوالد والولد؛ فلذا جعل لقارئها من الثواب كثواب مَن قرأ ثلث القرآن
وهذه الفضائل الصحيحة بحاجة إلى تأمُّل لربطها بمقاصد السور، فليس كلُّ ما صحَّ واضح الدلالة على مقاصد السور، فتبقى الدلالة على المقاصد اجتهادية.
الثاني: تحليل مضمون السورة ونَظْمها، ومناسباتها،
ونحو ذلك، عن طريق علم الوحدة الموضوعية ونحوه ، ولعله المجال الأرحب، وإذا سلم من التكلف فما أحسنه.
أما جهود العلماء في تحديد مقاصد السور فغالبها لا تنص على هذه العبارة، ولا سيما المتقدمة لأنهم لم يكونوا يُعنون به في تفاسيرهم، ولكن يوجد عند الزجاج والرازي وابن تيمية وغيرهم عبارات تدل على ما تضمنته السورة من موضوعات، ولكنها لا تنص على لفظة (مقصد السورة)،
ومن هذه العبارات:
– قول الزجاج في معاني القرآن وإعرابه عند حديثه عن سورة الأنعام: “أكثرها احتجاجٌ على مشركي العرب، على من كذب بالبعث والنشور” .
– قول الرازي في تفسيره عن سورة الأنعام: “مشتملة على دلائل التوحيد، والعدل، والنبوة، والمعاد، وإبطال مذاهب المبطلين والملحدين”.
– قول ابن تيمية كما في الفتاوي عن سورة التوبة:”أكثرها في وصف المنافقين وذمهم”.
ومن أول من نص على مصطلح (مقصد) أبو الزبير الغرناطي رحمه الله في (ملاك التأويل) و(البرهان في تناسب سور القرآن). يقول فيهما عن سورة القمر: “سورة القمر بأسرها مقصودها تذكير كفار العرب من قريش وغيرهم بما نزل بمن تقدمهم من مكذبي الأمم”.
ثم استخدم هذا المصطلح العلماء بعده كالسيوطي وغيره،
وجاء بعد ذلك الفيروز أبادي فأكثر من استخدامه في (بصائر ذوي التمييز) غير أنه يعني بمقصد السورة ما تضمنته من موضوعات، دون تحديد للمقصد الحقيقي للسورة، والعلاقة وثيقة بين الأمرين، فلن تصل للغرض والغاية إلا بمعرفة موضوعات السورة إلا أن بينهما فرقاً.
والكتب المؤلفة في مقاصد السور كثيرة منها:
1- (مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور) للإمام البقاعي، ط. مكتبة المعارف بالرياض.
وقد وصل إلى مقصد السورة بأسس منهجية اتبعها، وبينها، والقارئ لكتابه يخرج بملكة علمية في موضوع مقاصد السور، كما يتعرف على الأسس التي سار عليها البقاعي في استخراجه لمقصد السورة، دون أن يكون أسيراً لاجتهاد المؤلف دون معرفة لطريقة الوصول للمقصد. والبقاعي يبين في مقدمته للكتاب أن كل سورة لها مقصد واحد يدار عليه أولها وآخرها، ويستدل عليه فيها، فترتب المقدمات الدالة عليه على أتقن وجه، وأبدع نهج، وإذا كان فيها شيء يحتاج إلى دليل استدل عليه، وهكذا في دليل الدليل، وهلم جرًا. فإذا وصل الأمر إلى غايته ختم بما منه كان ابتدأ، ثم انعطف الكلام إليه، وعاد النظر عليه، على نهجٍ آخر بديع، ومرقى غير الأول منيع..
2- (أهداف كل سورة ومقاصدها في القرآن) للدكتور عبدالله شحاته.
3- جنى القلب الهائم في مقاصد السور ومحاورها لعدنان عبد القادر القادري.
4- خصائص السور والآيات المدنية ضوابطها ومقاصدها -عادل أبو العلا، وهو ليس بقريب من المقاصد بالمعنى الخاص.
5-مقاصد السور وأثر ذلك في فهم التفسير لمعالي العلامة صالح آل الشيخ، وعامته ليس بقريب من المقاصد بالمعنى الخاص.
6- علم مقاصد السور وأثره في التدبر للأستاذ الدكتور الزميل في هذا الحساب، عبدالمحسن المطيري.
وغيرها مما أرفقت صورته.
أما (نبذ من مقاصد الكتاب العزيز) للعز بن عبدالسلام فهو جزء ختم به كتابه (الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز)، وليس غالبه في علم المقاصد.