عندي استفسار عن قول ابن الجزري في منجد المقرئين (وقول من قال إن القراءات المتوات…
السؤال
عندي استفسار عن قول ابن الجزري في منجد المقرئين (وقول من قال إن القراءات المتواترة لا حد لها إن أراد في زماننا فغير صحيح )...إلى أن قال (وإن أراد في الصدر الأول فيحتمل إن شاء الله)
كيف تكون قراءات تواترت في عصر ولم تتصل أسانيدها بنا؟
الجواب
بسم الله وبه أستعين
مراد ابن الجزري دقيق؛ فهو يقول في سياق تقريره أن الذي اجتمعت فيه أركان القبول في زمانه هو قراءات الأئمة العشرة، ثم قال: من زعم أن القراءات المتواترة لا حد لها، فإن أراد في زماننا فخطأ؛ لأنه لا توجد قراءة متواترة وراء العشر، وإن أراد الصدر الأول فذلك محتمل. وقد نقل النص بهذا المعنى في مواضع من منجد المقرئين: «لا يوجد اليوم قراءة متواترة وراء العشر… وإن أراد في الصدر الأول فيحتمل».
ومفتاح المسألة في ثلاث نقاط:
الأولى: التواتر وصفٌ لطريق النقل في زمن معيّن، لا يلزم أن يبقى مستمرًّا إلى كل عصر.
فقد تكون قراءة أو وجه من وجوه الأداء مشهورًا منتشرًا بين جماعة كثيرة من الصحابة أو التابعين بحيث يحصل لهم به العلم، ثم يقلّ الإقراء به، أو لا يدخل في العمل العام المستقر، أو لا يستمر نقله طبقةً بعد طبقة إلى المتأخرين. فبالنسبة إليهم كان معلومًا، وبالنسبة إلينا لا يثبت إلا إن وصلنا بطريق يوجب العلم.
الثانية: قول ابن الجزري: «فيحتمل» ليس إثباتًا عمليًّا لقراءات مجهولة.
هو لا يقول: عندنا اليوم قراءات متواترة زائدة على العشر، بل صرّح بعكس ذلك. وإنما يقول: من جهة التاريخ، قد يكون في الصدر الأول وجوه قرآنية مأذون بها مشتهرة لم تنحصر في العشر بالاصطلاح المتأخر. لكن ما لم يصل إلينا متواترًا فلا يكون قرآنًا نقرأ به اليوم.
الثالثة: عدم اتصال الإسناد إلينا لا ينفي احتمال اشتهارها في زمنها، لكنه ينفي ثبوتها لنا.
فالفرق بين العبارتين كبير:
هذه القراءة تواترت عند أهل الصدر الأول.
هذه القراءة متواترة عندنا اليوم.
الأولى احتمال تاريخي.
والثانية حكم علمي عملي لا يثبت إلا بالنقل المتصل المستفيض المتلقى بالقبول.
وعليه؛ فقد تكون بعض الوجوه القرآنية قد عُرفت واشتهرت في الصدر الأول، ثم لم يستمر إقراؤها ونقلها إلى الأمة على وجه التواتر؛ فما انقطع طريقه إلينا لا نثبته قرآنًا متعبَّدًا بتلاوته، وإن احتملنا أنه كان معروفًا في زمنٍ سابق.
وهذا لا يقدح في حفظ القرآن؛ لأن القرآن المتعبد بتلاوته هو ما تلقته الأمة بالقبول واستمر نقله إليها يقينًا. أما ما لم يصل إلينا كذلك فليس لنا أن نقرأ به، ولا أن نجعله قرآنًا، وإن ورد في كتب الشواذ أو نُقل تاريخيًا عن بعض السلف.
والله أعلم